الملتقى الوطني: نظام العزابة نشأته ودوره الحضاري في بلاد المغرب مجهول

إسهامات العزابة في الحركة العلمية ببلاد المغرب من خلال التأليف - أبو العباس الفرسطائي (ت 504 هـ) نموذجا - مصباح عيسى

الجزء ١ · صفحة ٨

فسدها، وهو فتى حديث السن، ثم جاء بعد ذلك عزابي آخر فتزحزح له فقعد، ثم قعد هنيهة فقام، فقال أبو الربيع: «إن كنت أعقل وأتفرَّس فإنَّ هذا الفتى يحيي دين الله» (1).

وتذكر المصادر أنه انتقل بعد ذلك إلى جزيرة جربة للاستزادة من العلم ودرس هنالك على يد الشيخ أبي محمد ويسلان بن بكر أبي صالح اليراسني (2)، ثم عاد إلى موطنه الأصلي نفوسة فدرس على يد الشيخ سعد بن

ييفاو (3) (4)

ومما ينم عن حرص أبي العباس الشديد في التحصيل العلمي ما حكاه عن نفسه خلال فترة إقامته في نفوسة، حيث يقول: «وكان الديوان في نفوسة مشتملا على تصانيف في المذهب، فلازمت الدراسة أربعة أشهر لم أذق فيها نوما ليلا ولا نهارا إلا فيما بين أذان الصبح إلى طلوع الفجر، فنظرت في أثناء ذلك فيما هناك من كتاب المذهب التي وصلت من المشرق فإذا هي نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء، فتخيَّرت أكثرها فائدة فقرأتها

حينئذ (5)

واستقر المقام بأبي العباس بعد طول الارتحال لطلب العلم في أريغ، وأقام في قرية "أجلو الغربي"واستقر فيها إلى حين وفاته سنة 504 هـ؛ ولعل ذلك كان بعد وفاة شيخه أبي الربيع سنة 471 هـ، وتعد تلك مرحلة النتاج العلمي لأبي العباس، حيث ألف في هذه الفترة أكثر من عشرين مؤلفا كما نص على ذلك الدرجيني

والشماخي (6).

الفرع

الثالث: آثاره العلمية، وأبرز خصائها

عاش أبو العباس وتربَّى في سنوات الطَّلب والتحصيل في كنف أعلام أفذاذ، فتأثر بهم وانتفع، حتَّى تبوأ مرتبة عليا من العلم، وقد خلَّف تراثا علميًّا نفيسا بقي ميراثا ينهل منه من بعده، وبخاصة في المجال الفقهي

(1) ينظر: الوسياني: سير الوسياني، ص (657/ 2)؛ ليفيتسكي، تاديوش: المؤرّخون الإباضيون في شمال إفريقيا، ترجمة: ماهر جرار وريما جرّار، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان 2000 م، ص 50. بكير بن محمد الشيخ بالحاج محمد صالح ناصر: قسم الدراسة من تحقيق كتاب القسمة وأصول الأرضين، ط: 2، ص

(2)

26

هو أبو محمد ويسلان بن بكر بن أبي صالح بن قاسم اليراسني، أحد أعلام الإباضية في جزيرة جربة في القرن 5 هـ، له كتاب الوصايا والبيوع، جمعه تلاميذه في حلقاته، ثمَّ عرضوه عليه فرضي، وترك فتاوى عديدة أوردت منها كتب السير الكثير. تنظر ترجمته في: مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، ترجمة رقم: 975، ص (448/ 2).

(3) هو سعد بن ييفاو النفوسي، أحد اعلام الإباضية في القرن 5 هـ، الذين انطمست آثارهم أو كادت، احتفظ لنا الوسياني بشيء من ذكره وسيره، كانت له حلقة علم في أمسنان بنفوسة، وذكر أنَّ كتاباً منسوباً إليه يحتوي مسائل تنظر ترجمته في مجموعة من الباحثين معجم أعلام الإباضية، قسم

المغرب، ترجمة رقم: 375، ص (171/ 2).

(4) الأرجيني: طبقات المشايخ، ص (445/ 2).

(5) ينظر: الوسياني: سير الوسياني، ص (725/ 2 - 726)؛ الأرجيني: طبقات المشايخ، ص (445/ 2)؛ الشَّماخي: كتاب السير، ص (424/ 1).

(6) ينظر: الأرجيني: طبقات المشايخ، ص (444/ 2)؛ الشَّماخي: كتاب السير، ص (424/ 1).

8