كتاب العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف (المصطلحات ورؤوس المسائل) منى أحمد أبو زيد

العدل والإنصاف للوارجلاني - رؤوس المسائل

الجزء ١ · صفحة ١٠٩

باب: في اختلاف الناس في القرآن

109

فإذا زعمتم أنه مخلوق، فالمخلوق لا يخلو من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون جسمًا أو جوهرًا أو عرضا، ومعلوم أنه ليس بجسم لأن الجسم مؤلف من الأفراد والأجزاء قابل للحوادث محل للأعراض المتغايرات المتعاقبات، ومعلوم أنه ليس بجوهر، لأن الجوهر أيضًا قابل للحوادث ومحل للأعراض المتغايرات متحيز لجهة ولو كان عرضا لوجب أن يفنى في الحال الثانية لأن العرض لا يبقى أكثر من حال، فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة واستحال أن يوصف القرآن بواحدة منها علمنا أنه ليس بمخلوق إذ المخلوقات بأسرها قد تضمنت هذه الوجوه الثلاثة المذكورة، ثم إنه لو كان مخلوقا كما زعمتم لم يخلو أن يخلقه الله تعالى في نفسه وفي غيره أو يخلقه قائما بنفسه لا في شيء، ومعلوم أنه لم يخلقه وعل في نفسه لاستحالة كونه تعالى محلا للأشياء، وكذلك لم يخلقه أيضًا في شيء لأنه لو خلقه في شيء لكان للمحل فيه اختيار واكتساب كما كان الاختيار والاكتساب للشاعر الذي خلق في قلبه ولنسب إلى المحل كما نسب الشعر إلى الشاعر، فمستحيل أن يخلقه قائما بنفسه لا في شيء، إذ لا بد للمخلوق لمستند يستند إليه، فبطل بهذا أن يكون مخلوقا أيضًا والقرآن قول الله تعالى باتفاق بيننا وبينكم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [النحل: 40]، فلا يخلو أن يقول له حين خلقه إياه كن بقوله الذي هو القرآن أو بقول آخر غير القرآن ومحال أن يقول الشيء لنفسه، كن، ومعلوم أنه لم يقل له كن بقول آخر غيره، إذ قوله تعالى واحد لا يبتعض ولا يتبدل، وقول الله هو کلامه وكلامه هو قوله والدليل على أن هذا القرآن هو كلام الله قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَمَ اللهِ﴾ [التوبة: 6]، وكلام الله القرآن بلا شك، وقوله أيضا وهو مسموع كما أن الكلام الذي سمع موسى صلوات الله عليه وعلى محمد هو كلام الله بغير شك لقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، والذي يستدلون به من قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْآنَا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3] ليس ذلك بمعنى الخلق. والدليل على أنه ليس بمعنى الخلق قوله في آيات أخرى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ﴾ [النحل: 57]، ومعلوم أنه لم