العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ١١

17

16

ووجهات نظر المعماريين حول إعطاء مفهوم دقيق للعمارة.

وهكذا فقد جعلها بعض الفلاسفة اليونانيين بمثابة أمّ الفنون (1). ويبدو أن العمارة الدينية داخل المجتمعات اللاهوتية كانت المجال المناسب للفنان لإظهار قدراته الإبداعية وابتكاراته الفنية في ميادين أخرى خارج العمارة مثل النّحت والرسم، وهذا ما جعل ريمون بايير يعد العمارة المنبع الأصلي للفنون الأخرى والتي تجلت نشأتها حسب رأيه على جدران المعابد (2).

دي

أرشيتكتورة

وذلك وفق الأقدمية التاريخية. ويُعد فيتروفيوس أول من قدّم تعريفا علميا للعمارة في كتابه. De Architectura مفاده أنّها علم يشتمل على مجموعة متنوعة من الدراسات والمعارف، حيث تقوم باختبار نتاجات الفنون الأخرى. وتعدّ العمارة في نظره ثمرة تأتي جراء بدل مجهودين أساسيين؛ أحدهما نظري، والآخر تطبيقي:

فالنظري يقوم بإثبات صحة ودقة النسب المتوخاة في الأشياء المعالجة. وأما التطبيقي فهو علاج الفكرة بالممارسة، أي تحقيق الفعل الذي يعطي للمادة المستعملة الشكل المرسوم (3). وقد عُرفت العمارة أيضا على أنّها تكوين فضائي يستجيب لمتطلبات المنفعة والمتانة والجمال والاقتصاد، وتظهر براعة المهندس المعماري في تحقيق نوع من الانسجام والتوازن بين هذه العناصر الأربعة.

ولقد ركز عرفان سامي عند محاولته إعطاء مفهوم للعمارة على تلك العناصر الأربعة، فيرى أن العمارة هي الفنّ العلمي لإقامة عمائر تتوفّر فيها الشروط الآتية: المنفعة والمتانة والجمال والاقتصاد والتي يمكنها تلبية حاجيات الإنسان المادية والنفسية والروحية، وذلك بالاعتماد على أحسن الوسائل الإنشائية المتوفرة في ذلك العصر، ولكن شريطة أن يقوم بإنجاز ذلك المبنى معماريون لهم دراية كافية بالظروف البيئية المحيطة بالمعلم).

وأما المعماري الفرنسي لوكوربزييه Le Corbisier الذي كان بلا شك متأثرا كثيرا بالعمارة القديمة ولاسيما الإسلامية، فلقد حاول بقدر الإمكان الاستفادة من تجارب السابقين

فرأى على ضوء مسار تاريخ العمارة أنّها لعب متقن بالكتل منظورة تحت الضوء (!). وتُعدّ العمارة عند بعض الباحثين بمثابة الروح الخلاقة التي تتطوّر عبر الزمن تماشيا مع الطبيعة والظروف المحيطة بالإنسان سواء كانت بيئية أو اجتماعية. وأما صاحب كتاب نظريات العمارة فقد أعطى تعريفا شموليا لمفهوم للعمارة، معتقدا أنها انعكاس للنشاط الاجتماعي للإنسان من كل جوانبه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية (2). والشيء الذي نستنتجه من هذه التعريفات المختلفة السالفة الذكر، أن العمارة ما هي إلا

شكل من الأشكال لتلبية حاجيات الإنسان المختلفة، واستجابة لممارساته الاجتماعية.

II - العمارة الإسلامية:

تطلق هذه التسمية على العمارة التي أنجزت في المناطق التي فتحها المسلمون وانتشر فيها الدين الإسلامي، والتي اعتنق كلّ أهلها أو قسم منهم هذا الدين، وهكذا انتشرت هذه العمارة في كامل المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي غربا إلى الصين شرقا، وقد وصل تأثيرها إلى غاية أوربا حتى وصلت مشارف فرنسا غربا ومدينة فينا شرقا.

لقد استفاد المسلمون في بداية عهدهم بتجارب وخبرات الأمم التي دخلت في الديانة الإسلامية، لاسيّما أنّها كانت ذات حضارة عريقة، ومن الطبيعي جدا أن يتأثروا بفنون تلك الأمم، خصوصا أن العرب لم يصلوا بعد إلى استخدام تلك الأساليب المتطورة في مجال العمارة والبناء وما يتبعها من الزخارف المتنوعة. وهكذا تأثر المسلمون بالفن الساساني والبيزنطي والهلنستي والقبطي وا والقوطي (3) وهذا حال الحضارات التي تؤثر وتتأثر فيما بينها، إذ لا يمكن لأي فنّ أن ينشأ من عدم، فلا بد أن يستفيد الفن المستحدث من فنون السابقة، ويعتمد عليها في البداية لكي ينطلق ويكون شخصيته. فالفن اليوناني مثلا اعتمد في بداية ظهوره على فنون الشرق الأدنى وبصفة خاصة الفن الفرعوني. قام المعماري المسلم باستغلال تلك التجارب المعمارية السابقة وصاغها وطوّرها على حسب احتياجات ديانته التي أضفى عليها طابعا خاصا، وبمرور الزمن أثبتت العمارة الإسلامية

(1) - توفيق حمد عبد الجواد: تاريخ العمارة والفنون الإسلامية، ج 3، القاهرة 1970، ص: 2. (2) - عبد المعطي محمد الإبداع الفني وتذوق الفنون الجميلة دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، 1985، ص: 96. (3) - سيدي محمد الغوثي بسنوسي: الأصول العميقة لمعايير التناسق في العمارة الدينية الإسلامية بالمغرب العربي، رسالة دكتوراء دولة قسم الثقافة الشعبية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة أبي بكر بلقايد تلمسان 2000، ص: 85 (4) - رنيف مهنا ويسن بحر المرجع السابق، الكتاب الأول، ص: 108 - 109

(1) - رئيف مهنا ويسن بحر المرجع السابق، الكتاب الأول، ص: 109 (2) - مرجع نفسه الكتاب الأول، ص 110

(3) - Georges Marçais; L'Art Musulman، ler Ed، Presse Universitaire de France، Paris، pp: 1 - 2.

Scanned by CamScanner