العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ١٢

19

18

بخصوصياتها المتميزة مكانتها ضمن فنون العمارة الأخرى، وأصبح من الصعوبة بمكان محاولة تمييز تأثيرات الفنون الأخرى عليها.

وهما:

ولابد من الإشارة إلى أنّ هناك عاملين أساسيين ساهما بقوة في تشكيل وبلورة هذه العمارة

-

العامل البيئي: انتشر الإسلام في أقاليم تختلف عن بعضها في بيئتها الطبيعية من تضاريس ومناخ، وكان لهذا الاختلاف أثره على تشكيل الفن المعماري الإسلامي، وهكذا كان للعمارات المحلية نصيبا هاما في تبلور هذه العمارة)، فحيث كانت الصحراء – باعتبار أن معظم الأقاليم الإسلامية تقع في بيئة صحراوية - نجد المباني قد تأثرت بتلك البيئة الصحراوية، فبدت بصمات هذه البيئة واضحة عليها، وانطلاقا من التنوع البيئي برز تنوع في الطرز المعمارية والمدارس الفنية.

- العامل الديني: كانت لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف أثر كبير في صياغة وتكون الفن المعماري الإسلامي. وبما أنّ الإسلام قد فرض إقامة الصلاة مثلا في اتجاه الكعبة فقد جاءت كل المباني الدينية (2) المساجد والمصليات الجنائزية والمدارس والأضرحة … الخ) مرتبطة أشد الارتباط بهذا الاتجاه.

بعد استقرار العرب المسلمين في المدن واختلاطهم بالأجناس والأمم الأخرى، وتأقلمهم مع الحياة الحضرية أنتجوا عمارة دينية إسلامية في حلة جديدة، ولكنها ظلت وفية لتقاليد معمارية مستوحاة في الدرجة الأولى من الدين نفسه، ومن البيئة الصحراوية التي احتضنتها. وقد بدأت العمارة الإسلامية بسيطة في بنائها، فالجامع أخذ شكله انطلاقا من الوظيفة التي يؤتيها. وبما أن صلاة الجماعة تقتضي الاصطفاف وراء الإمام في صفوف منتظمة، وتعاليم الدين الحنيف تحت المصلي من الاقتراب من الإمام قدر الإمكان لنيل ثواب أكثر، فقد جاءت المساجد مستطيلة الشكل عموما واستطالتها كانت عرضيا أي أن العرض أكبر من العمق (3). إلى ذلك فإنّ إجبار المصلّي على التوجه في اتجاه الكعبة أثناء أداء الصلاة قد أرغم المعماري المسلم على توجيه كلّ العمائر الدينية في اتجاه الكعبة، وقد رمز إلى هذا الاتجاه

أضف

(1) - رئف مهنا ويسن بحر المرجع السابق، الكتاب الأول، ص: 69. (2) - ثروت عكاشة: القيم الجمالية في العمارة الإسلامية، دار المعارف، القاهرة 1981، ص: 14 (3) - مرجع نفسه، ص 19.

بوضع تجويف في جدار القبلة أطلق عليه اسم "المحراب". كانت العمارة الإسلامية ترتكز في أول ظهورها على مجموعة من العناصر المعمارية والزخرفية التي تتفق وروح الديانة الإسلامية، مما أضفى على منجزاتها طابعا متميزا ياد يكون متشابها في كل الأقطار الإسلامية.

وعلى الرغم من الاختلاف أحيانا بين هذه العمارات في بعض التفاصيل أو في العناصر المعمارية الإنشائية كمنحنيات القباب والعقود والتكوينات المعمارية للمآذن أو في بعض الوحدات الزخرفية، فإنّ ذلك لم يثنها من الاشتراك في وحدة الروح الإسلامية الكامنة وراء التكوينات المعمارية والتشكيلات الزخرفية التي أصبحت تقليدا معماريا يحفظه المعماريون المسلمون عن ظهر قلب، وهذا ما أدى فيما يبدو بجورج مارسيه Georges Marcais إلى الجزم بأن الوحدة اللغوية تُعدّ عنصرا مهما في تكوين طابع معماري موحد (1). ومما ساعد أيضا على وحدة الطابع المعماري الإسلامي ما كان من تشابه في الظروف البيئية في أغلب مناطق العالم الإسلامي، فالحرارة شديدة عموما والسماء صافية والأمطار قليلة، وهذه ميزة البيئة الصحراوية التي تغطي مساحات هامة من هذا العالم. ولقد أخذ المعماري المسلم تلك الظروف القاسية بعين الاعتبار، فشيّد عمارة دينية ومدنية وحتى عسكرية تتلاءم مع هذه الظروف. فخصص فضاء مكشوفا (الصحن) محاطا في أغلب الأحيان بأروقة، ليصبح هذا الفضاء أكثر الفضاءات أهمية في العمارة الإسلامية نظرا للأدوار المهمة التي يقوم بها (2).

وتمتاز العمارة الإسلامية بخصائص معمارية، بحيث يستطيع من خلالها الإنسان البسيط تمييزها بسهولة عن العمارات التي تنتمي إلى حضارات أخرى. كما يمكن ملاحظة اختلافات داخل العمارة الإسلامية نفسها أملتها ظروف الاحتكاك بتجارب الأمم التي خضعت للإمبراطورية الإسلامية. فالفن كاللغة حية والتغيير من أهم سماتها. وهكذا نلاحظ أن العمائر الإسلامية ذات طابع موحد، ولكنّها متميّزة، ويختلف بعضها عن بعض وفق الأقاليم والبيئات والعصور المختلفة. فالعمائر قد تختلف في مواد البناء، وفي أنواع

فهي

(1) - Georges Marçais: Op.cit، p: 5.

(2)- Ibid، p: 3.

Scanned by CamScanner