العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٤٠

75

74

الرسمي للدولة، أي قصر الحكومة بمفهومنا الحديث. وتتجلى لنا مدى أهمية رسالة المسجد السياسية أو الدور السياسي الذي يؤتيه المسجد داخل المجتمع الإسلامي، عندما نعلم أن اسم الخليفة يُذكر في خطب الجمعة لأنّ عدم ذكره يعني بالضرورة خلعه (1).

2 - نشأة المسجد وتطوره: كانت الصلوات تؤدى جماعيا في السنوات الأولى من الإسلام في كل مكان، ولم يخصص لها مكان معيّن فبعد وصول الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة إلى المدينة المنورة اشترى أرضا كانت ملكا ليتيمين سهل وسهيل وبالتعاون مع المسلمين شيّد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أول مسجد في الإسلام (2). وتميز التصميم الأولي للمسجد بالبساطة والتقشف في البناء مقارنة بعمائر الديانات السابقة. وبالنسبة لاختيار الموقع فلم يربط الإسلام بناء المسجد فوق أرض معينة، بل اشترط فقط عنصر الطهارة والشرعية، باعتبار أنّ أي بقعة فوق هذه الأرض تعدّ مسجدا، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا).

ويُعد مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم من الجانب المعماري النواة الأولى لعمارة المساجد، وكان يحمل في ثناياه الخطوط العريضة لنمط معماري صار نموذجا يحتذى به كما كان إرهاصا لطراز انتشر فيما بعد في كل بقاع العالم الإسلامي، لا سيما في القرون الأولى للهجرة. ويتمثل هذا النمط في الصحن الواسع، وبيت للصلاة ذي أعمدة ودعامات يأتي في مقدمة الصحن من جهة

القبلة.

وعلى هذا النمط المعماري شُيّد مسجد البصرة سنة 14 هـ / 636 م، ومسجد الكوفة سنة

17 هـ / 638 م).

لقد أدى البحث عن أصول عمارة المسجد وتصميماته إلى نقاش طويل بين مؤرّخي الفن، قبعضهم أرجع أصل مخطط المسجد إلى معبد يهودي معروف باسم “دورا أوربوس Daura-Auropos (5) إن ما يميز هذا المعبد بساطة أبعاده، إذ يتكوّن من صحن مستطيل

(10 x 13 م) يتقدمه قاعة مستطيلة الشكل (7،68 x 13،65 م) التي فتح في وسط جدارها العرضي تجويفة تحدّد اتجاه القاعة نحو بيت المقدس، وإلى الجانب الأيمن من هذه التجويفة يوجد سلّم يتكون من أربع درجات يؤدّي إلى درجة خامسة أكبر عرضا وارتفاعا تُستعمل كمكان خاص

لرئيس المجتمع اليهودي). وأما الصحن هنا فتحيط به أروقة من ثلاث الجهات.

لا نستبعد الفكرة التي تعتبر مخطّط دورا أوربوس Daura-Auropos مصدر إلهام بالنسبة للمعماري المسلم في بناء المسجد. ولكن هناك اختلاف بين المخططين، يتمثل في عدم وجود أية ركائز داخل قاعة دورا أوربوس، كما أنّ المسجد لا يحتوي على تلك الدكة الحجرية التي تجانب كل. جدران القاعة لجلوس المصلين. وهناك آراء أخرى ترجع مصدر مخطّط المسجد إلى الكنيسة، ولا سيما من ناحية تقسيم بيت الصلاة إلى بلاطات، وظهور المجاز القاطع أو ما يسمّى بالبلاطة الوسطى المستعرضة كعنصر معماري بارز في المسجد، ويبدو هذا العنصر هو الأساس في تصميمات الكنائس المسيحية، حيث تنتهي عند حنية كبيرة ذات مخطّط نصف دائري (2).

مسيحي

لا يمكن رفض هذه الفرضيات التي ترجع أصل المسجد إلى مصدر يهودي أو مادام الفن الإسلامي على العموم قد تأثر بكل فنون البلدان التي فتحها المسلمون، فإضافة إلى تأثره بالفن الهلنستي والبيزنطي، فقد تأثر أيضا بالفن الساساني والقبطي والقوطي وغيرها من الفنون المختلفة. فكانت بذلك عمارة كلّ المناطق التي فتحها المسلمون مصدر إلهام بالنسبة للمهندس المعماري المسلم ولكن ما قام به المسلمون هو صقل هذه الفنون وتهذيبها وطبعها بطابع الدين الإسلامي الحنيف، مما أعطى أنماطا وطرزا معمارية مختلفة تماما وبعيدة كل البعد عن المعبد اليهودي والكنيسة المسيحية رغم بساطة البناء. ولمكانة وأهمية المسجد النبوي الشريف في وضع أسس طراز المساجد ذات الأعمدة والدعامات، لا بدّ لنا من إعطاء فكرة ولو وجيزة عن تصميمه. فالمسجد النبوي الشريف كان يمتاز بالبساطة والتقشف اللذين يمثلان جوهر العقيدة الإسلامية. وكان مخطّط المسجد مربع الشكل (100 x 100 م)، وتحدّد فضاءاته جدران من اللبن (الطوب) ذات أسس

(1) - Lucien Golvin ; Op. cit، p : 34 35

(2)- Ulya Vogt G?knil: Grands Courants de l'Architecture Islamique، Mosquée، Trad: F et B Wauthier Wurmser، Chêne، Lausanne 1975، p: 38.

(1) - سعاد ماهر: المرجع السابق، ص: 14

(2) - Lucien Golvin: La Mosquée … ، Institut des Etudes Islamiques d'Alger، Alger 1960، p: 24.

(3) - رؤوف الأنصاري: عمارة المساجد، ط 1، دار النبوغ للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1996، ص: 25 (4) - مرجع نفسه، ص: 3835

(5) - دورا الملقبة من طرف اليونانيين بلوربوس Europos تحمل بقايا آثارها اسم صليليح، توجد فوق مرتفع صخري على ضفة نهر الفرات، وقد شيدت المستعمرة من طرف سيلوسيد Seleucide عام 300 ق. م. لقد جرت الحفريات في المنطقة بين 1932 - 1933 من طرف هـ. .برسون Pearson. ينظر 34: Lucien Golvin; Op. cit، p

Scanned by CamScanner