العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف
الجزء ١ · صفحة ٤١77
76
حجرية. ويبلغ ارتفاع جدرانه الخارجية سبعة أذرع، وقد أقيم في جهته الشمالية الغربية فضاء يمثل بيت الصلاة، وكان هذا الفضاء مغطى بسقف مسطح يدخل في بنائه سعف النخيل وكسي من الخارج بطبقة طينية، ويحمل ثقل السقف أعمدة من جذوع النخيل والتي قامت بتقسيم بيت الصلاة إلى فضاءات يطلق عليها اسم البلاطات. كما شيّدت في الجهة الجنوبية الشرقية تسع غرف تنفتح نحو الصحن، واستعملت كمسكن للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجاته (1). وكان للمسجد ثلاثة مداخل
متعامدة، وفي السنة التاسعة للهجرة أضيف إليه منبر ذو ثلاث درجات.
قد عرف هذا المسجد عدة توسعات في فترات متلاحقة، لاسيما في عهد ولاية عمر بن عبد العزيز على المدينة المنورة، كما تم إصلاحه وتجديده في العهد العباسي والمملوكي (886 هـ / 1481 م) ثمّ في العهد العثماني، وآخر ترميم شهده المسجد كان في سنة
(2) 1973/ 1393
وهكذا نرى أنّ المسجد ظهر كمبنى أصلي لم يُقلّد بتاتا المباني الدينية السابقة، ويمكن أن
يُرجع هذا التميز إلى عامل المناخ، إذ أنّ الحرارة الشديدة وقلة الأمطار جعلت الرسول يخصص فضاء (بيت (الصلاة) مغطّى مفتوحا نحو صحن مكشوف لأداء الصلاة في ظروف ملائمة، وقد أخذ هذا الصحن حيزا كبيرا من المساحة الإجمالية للمسجد، وذلك بهدف تهوية وإضاءة الفضاء المغطّى بيت الصلاة وضمان بقاء المصلين في منأى عن حرارة الشمس
ولهيبها.
ولقد أُضيف إلى المسجد الأولي عناصر معمارية أخرى جديدة، ستصبح بمرور الزمن عناصر أساسية وضرورية في كلّ المساجد، وقد كان المنبر أوّل عنصر يُضاف إلى بيت الصلاة (3). ففي البداية كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستند إلى جذع نخلة أثناء إلقاء خطبة إلى الجمع فأوعز إليه تميم الداري ليصنع منبرا كما هو الشأن في كنائس الشّام، فتبنّى الرسول صلى الله عليه وسلم الفكرة ثم أمر بصنع منبر خشبي بثلاث درجات). ومنذ ذلك الحين صار المسلمون يتبعون هذا التقليد في كل المساجد، بحيث أصبح المنبر عنصرا معماريا مميزا داخل بيوت الصلاة، لذا فقد أعطى له
المعماري المسلم أهمية بالغة وعناية خاصة، فصُنع من مواد مختلفة (الخشب والحجر والرخام). كما أصبح مجالا حيويا للفنان المسلم لإظهار براعته وتفوقه في مجال فن النقش والزخرفة. وقد أضيف إلى المنبر عدد من الدرجات في العهود اللاحقة.
بعد أن كان جدار القبلة يبين اتجاه الكعبة في المساجد الأولى، فقد أُضيف في أواخر القرن الأول الهجري عنصر معماري جديد استخدم بالإضافة إلى أنّه فضاء لوقوف الإمام لتتعيين جهة القبلة بوضوح، ويتعلق الأمر بعنصر المحراب الذي جاء في شكل تجويفة تتوسط جدار القبلة تقع على يسار المنبر، ويقف عندها الإمام أثناء أداء الصلوات المختلفة، وقد أعطى المعماري المسلم عناية خاصة وأهمية بالغة لهذا العنصر الذي أصبح وجوده ضروريا عند بناء أي مسجد أو حتى مصلى، كما صار محورا حقيقيا ل إلى أنّ الصلوات الخمس لا تقام في هذه المباني، اقتداء بالأحاديث النبوية التي تحرّم اتخاذ السمترية داخل المباني الدينية (1).
وبتشييد الجامع الأموي بدمشق من طرف الوليد بن عبد الملك بن مروان سنة 78 هـ / 697 م (2) بدأت عمارة المسجد تعرف تطورات هامة على مستوى التصميم الداخلي أو بإضافة عناصر معمارية جديدة. وقد تبلورت أسس طراز المساجد ذات الأعمدة والدعامات في جامع الأموي بدمشق فتوسّع بيت الصلاة عرضيا، وبرز المجاز القاطع كعنصر يقوم بقطع وتيرة تواصل تلك الأساكيب الثلاثة التي تولّدت من انتظام الأعمدة عرضيا، وهكذا قسم المجاز القاطع بيت
الأخرى
الصلاة إلى قسمين متساويين. وتتقدم المجاز القاطع من جهة المحراب قبة (قبة النسر) التي أصبحت هي عنصرا معماريا مميزا في المساجد ذات الأعمدة والدعامات، واصطلح عليها تسمية قبة أمام المحراب" (3). وإضافة إلى ذلك أصبح الصحن محاطا برواق من كل الجهات باستثناء جهة القبلة.
وعلى نمط الجامع الأموي بدمشق شُيّدت مساجد عديدة في مشارق الدولة الإسلامية ومغاربها نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر الجامع الكبير بسامراء (234 - 238 هـ / 848 - 852 م)، وجامع ابن طولون (263 266 هـ / 876 - 879 م)
(1) - Elie Lambert :Op.cit، pp :30 - 32
(2)- Ibid، p p :34 - 35
(3) - Robert Irwin : Le Monde Islamique، Trad: Armand Canal; Hong Kong 1997، p: 64.
(1) - أبو صالح الألفي: المرجع السابق، ص: 141 142 (2) - سعاد ماهر: المرجع السابق، ص: 10590
(4) - عفيف بهنسي: الفن العربي الإسلامي في بداية تكونه، دار الفكر، القاهرة د. ت، ص: 14.
(3) Elie Lambert: l'Art Musulman d'Occident des Origines à la Fin du XVé Siècle، Société d'Edition d'Enseignement، Paris 1966، p: 28
Scanned by CamScanner