العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٤٧

89

88

الأحوال لا يكفي لنيل مرام لكن مسجدنا غدا يتطوّر رأي سديد لم يشب بخصام فتشاوروا في الأمر فاتفقوا على تحسين بيت المالك العلام (1) قاموا كفرد واحد بالجد في وأُجريت بعد ذلك ثلاث توسعات في بيت الصلاة، وكان ذلك خلال الفترة التي تولّى فيها إبراهيم بيوض رئاسة حلقة العزابة في مدينة القرارة. وكانت كلها نحو جهة القبلة. وآخر توسع شهده المسجد كان سنة 2001 م.

23 من ناحية الموقع يعد المسجد من أهم المباني الدينية في المدينة الإسلامية، لما يؤديه من دور فعال في حياة المجتمع المسلم عامة من هنا اكتسب المسجد أهميته في منطقة وادي مزاب. ففضلا عن دوره الديني كمبنى للعبادة، فإنّه يؤدي أيضا في مزاب مهاما لا تقل أهمية عن ذلك. إذ يُعد مركزا ومقرا للسلطة الروحية (حلقة العزابة) ومكانا للقضاء وإصدار الفتوى، وتنظيم حلقات الدرس، وممارسة وظيفة التعليم والتربية، وإلى جانب ذلك فإنّه يُعد مخزنا حقيقيا لبعض المؤن خاصة التمور والحبوب يستنجد بها في الحالات الصعبة مثل الحروب والمجاعات ومن هنا فإنّ المسجد يعتبر القلب النابض للمدينة المزابية، فيبعث فيها الحياة، ويعمل على تأطير المجتمع دينيا واجتماعيا وتربويا وحتى اقتصاديا. وانطلاقا من هذا كله حرص المزابيون على إعطاء المكانة اللائقة للمسجد معماريا وتجسيد تلك السلطة المعنوية واقعيا. لذا فقد اختير له موقعا استراتيجيا مناسبا، فكان أوّل مبنى يُشيد في المدينة المزابية على غرار المدن الإسلامية، حيث يشير مرسيل مرسييه Marcel Mercier إلى أنه اتصل بمؤلف إياضي مجهول صاحبه يذكر فيه أنّ بناء مدينة مزابية يكون انطلاقا من اختيار شيخ العزابة لموضع المسجد ثم تخطيط سورها فيبتني الناس الدور والمرافق الأخرى من حوالي المسجد وصولا إلى السور (7). ويأخذ المسجد موقعه في قمة الهضبة التي تتدرّج فيها المنشآت المعمارية الأخرى، ثمّ يتم بعد ذلك تشييد المساكن والدور والمباني العامة من حوله، بحيث تنتهي كل طرق ومسالك المدينة إلى المسجد.

وانطلاقا من تلك الأهمية احتلت كلّ مساجد وادي مزاب أعلى نقطة في الهضاب الصخرية

التي شيدت فوقها المدن، وكان هذا الاختيار قائما على أساس تأكيد سلطة المسجد الروحية معماريا، بحيث تشرف على كلّ المباني الأخرى المحاطة بها، وقد زاد في عظمتها وشموخها تلك المئذنة العالية ذات الشكل الهرمي الناقص والملتصقة بها، لتصبح أوّل ما يبرز للناظر من مباني المدينة المزابية من على بعد كيلومترات، وبهذا أصبح المسجد يجسد فعلا مقولة الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه تجسيدا معماريا واقعيا وميدانيا.

وحرصا على توحيد كلمة صفوف المجتمع المزابي داخل المدينة الواحدة، وعدم إنشاء أسباب التفرقة فيما بين أفراده، لم يسمح إباضيو وادي مزاب ببناء أكثر من مسجد واحد داخل المدينة الواحدة، لذا فقد لجؤوا في عدة مرات إلى توسيع المسجد بدلا من تشييد مسجد آخر. وتتم عملية التوسيع بضم المساكن المجاورة للمسجد إلى الهيكل العام، بعد شرائها من أصحابها أو بعد تقديمها من طرف ملاكها كهبة أو تبرّع للمسجد، وتقتضي الضرورة أحيانا إلى توسيع المسجد على حساب الشارع المجاور لها، ويلجأ المزابيون إلى عملية التوسيع كلّما اقتضت الضرورة عند ازدياد عدد السكان الذي كان يرتفع باستمرار، وذلك إما بالنمو الديموغرافي أو إثر الهجرات المتتالية نحو المدينة. ولكن ذلك لم يمنع من ظهور نشوز عن القاعدة بسبب نشوب بعض الانقسامات والنزاعات داخل المجتمعات المزابية والتي سبق وأن أشرنا إليها، كما هو الشأن بالنسبة لمدينة العطف ومدينة بنورة اللتان تضمان مسجدين بدلا من مسجد واحد (1).

لم نعثر في المساجد المزابية على أثر للوحات التذكارية التي تحتوي على نصوص يفترض أن تحمل في ثناياها تواريخ بناء العمائر، ويبدو أنّ المعماري المزابي لم يعط أي اهتمام لهذا الجانب وفضّل التغاضي عنه، وهذا ما شكل صعوبة كبيرة في تحديد تواريخ إنشاء هذه المساجد، وكذا التوسعات المتلاحقة التي أجريت عليها. -4 - 3 - من ناحية التصميم:

اتبعت المساجد الإباضية بمنطقة وادي مزاب في تصميمها مخططا غير منتظم الشكل (الشكل: 5، 6، 7، 8، وربما كانت تلك التوسعات المتتالية التي تتم بعد شراء أو تقبل (هبة بصفة وقف مسكن أو مجموعة مساكن ثم ضمها إلى الهيكل العام للمسجد في فترات تاريخية

(1) - Joseph Schacht: Op. cit، pp: 4 - 5.

(2)- Marcel Mercier: Op.cit،p: 110.

(1) - أبو اليقظان: المرجع السابق، ص: 36 37

Scanned by CamScanner