العمارة الإسلامية في بني مزاب بالحاج بن بنوح معروف

العمارة الإسلامية في وادي مزاب-بالحاج معروف

الجزء ١ · صفحة ٥٦

107

106

وقد ظل ذلك الموضع يحمل اسم مصلّى الجنائز إلى وقت قريب، إذ يشير عبد القادر شيبه الحمد إلى ذلك في قوله ولا زلنا نسمع إلى الآن أنّ الساحة الواقعة بجانب جدار المسجد النبوي الشريف من الناحية الجنوبية الشرقية والتي أحيطت من جهة الشرق والشمال والجنوب بجدار قصير، أنها كانت مصلّى الجنائز " (1).

لقد انتشرت هذه المصليات في العديد من المدن الإسلامية، فكانت تعرف أحيانا باسم “المصليات الجنائزية” وأحيانا أخرى باسم "مصليات المقابر". ولقد ألحقت هذه المصليات الجنائزية سواء المغطّاة منها أو المكشوفة ببعض الجوامع ويقدّم لنا محمد الكحلاوي أمثلة من ذلك في بلاد المغرب مثل المصلى الملحق بجامعي القرويين والأندلسيين بفاس (2)، وأما في مصر فصلاة الجنازة كانت تُقام في المساجد. وهذا لا يعني بالضرورة أن العمارة المصرية الإسلامية لم تعرف هذا النوع من العمائر، بل من المؤكّد أنّها عرفتها مثل بقية الأقطار الإسلامية، ويُفهم من المصادر والوثائق التاريخية أنّها كانت عديدة، وكانت إما ملحقة بالعمائر الدينية وخاصة بالمساجد أو بنيت مستقلة. وتعلّق عليها أوقاف وحبوس عديدة، ومن أمثلة ذلك المصلى الملحق بمسجد الأمير علي كاشف جمال الدين بمنفلوط الذي أنشئ سنة

1176 هـ / 1762 م.

1 - المصليات الجنائزية بمزاب: ويقصد بالمصلّى الجنائزي في منطقة مزاب تلك المنشأة التي توظف لأداء صلاة الجنازة أو تمارس فيها بعض الشعائر الدينية التي لها علاقة مباشرة بالميت، مثل مدارسة القرآن الكريم وتلاوته، ووظائف أخرى لها علاقة بالجانب الاجتماعي.

نقصد بالمصليات الجنائزية تلك المصليات التي شيّدها المزابيون وسط مقابرهم، وغالبا ما تحمل اسم أكبر فقهاء وعلماء المدينة الذين تقلدوا وظيفة رئيس حلقة العزابة (1) في مدينتهم لفترة زمنية معينة بعد تأسيس المدينة مباشرة، أو قدموا خدمات جليلة لمجتمعهم في ميدان التعليم وإصلاح المجتمع، وفي أغلب الأحيان يكونون ممثلين لأحد الأعراش المشكلة لمجتمعهم، ولهذا السبب نجد هذه المصليات تنتشر بكثرة في محيط كل مدن مزاب. إن كل العشائر التي تنتمي إلى هذا الجد العالم تقوم بدفن موتاها في المقبرة المحيطة بالمصلى من كل الجهات باستثناء جهة القبلة. 1 - 1 - تاريخ بعض النماذج تنتشر المصليات الجنائزية داخل جميع المقابر الإباضية بمنطقة مزاب، ولا نستطيع أن نتناول كل تلك المصليات بالدراسة، وعليه اخترنا بعض النماذج التي من خلالها يمكن أن نكون فكرة شاملة وواضحة عن الخصائص المعمارية المميّزة لهذا النوع من العمائر الدينية،

والأساليب المعمارية التي طبقت فيها.

1 - 1 - 1 - المصلّى الجنائزي عمّي إبراهيم: يقع المصلّى الجنائزي داخل مقبرة تحمل اسم عمّي إبراهيم وتقع يمين الداخل إلى مدينة

العطف.

ينسب هذا المصلّى الجنائزي إلى إبراهيم بن مناد من علماء مدينة العطف الذي عاش في النصف الأول من القرن 6 هـ / 12 م وعاصر الشيخين باعبد الرحمان الكرثي (2)

(1) - الحمد عبد القادر شيبة فقه الإسلام شرح بلوغ المرام في جمع أدلة الأحكام للحافظ أبي حجر العقلاني، ج 3، ط 2، مطابع المدينة، الرياض، د. ت، ص: 41.

(2) - محمد الكحلاوي، عمائر الموحدين الدينية بالمغرب، رسالة دكتوراه الدولة، كلية علم الآثار، جامعة القاهرة 1986،

ص: 144

(3) - محمد حمزة إسماعيل الحداد: المصليات الجنائزية في العمارة المصرية العربية - دراسة أثرية - (تحليلية مقارنة) وثائقية تاريخية " مجلة كلية الآثار، ع 8، مطبعة جامعة القاهرة 2000، ص: 148 149

(1) - نظام اجتماعي وتربوي سنّه الإباضية ليقوم مقام سلطة الإمام، ويُعدّ أعلى أعلى سلطة عرفية في منطقة وادي مزاب، ويعود تاريخ تأسيسه إلى القرن الخامس الهجري، وقد سنّ قوانين هذا النظام ومبادءه العالم الإباضي أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي النفوسي. ينظر عدون جهلان: الفكر السياسي عند الإباضية من خلال آراء الشيخ محمد بن يوسف أطفيش، جمعية التراث القرارة د. ت، ص: 168 169 (2) - هو عبد الرحمان الكرثي المصعبي المشهور باسم با عبد الرحمان، يعد حسب المصادر الإباضية من علماء الإباضية الأوائل بوادي مزاب، وقد عاش خلال القرن السادس الهجري الثاني عشر ميلادي، كان يمارس نشاطه التعليمي والإصلاحي في مدينة مليكة، ولا يزال المصلى الجنائزي الواقع في الجنوب الشرقي لمليكة يحمل اسمه ينظر جمعية التراث المرجع السابق، مج: 3، ص: 513512

Scanned by CamScanner