براءة الإباضية فهمي هويدي

براءة الإباضية لهويدي

الجزء ١ · صفحة ٩

في الوقت ذاته ، فقد كان لأعلام هذه المدرسة نصيبهم الوافر من علوم الحديث . وثبت أن جابر بن زيد كان كثير الترحال إلى الحجاز ، ولزم عبدالله بن عباس ، حتى عرف أحدهما بالآخر . وقد اعتبر جابر بن زيد أحد أئمة السنة في البصرة ، حتى وثقه جميع نقاد الحديث ، وأجمعوا على عدالته وضبطه . بل إنه اعتبر من رجال أصح الأسانيد . وقد استفتي عبدالله بن عباس مرة في أمر فقال : عجباً لأهل العراق ، كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد ، لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه.

الخلاصة أن ابن زيد –مؤسس المذهب- نشأ في عصر كبار التابعين ، الذين تحرروا من التقاليد والتعصب ، ولم يكن يلزمهم سوى القيود الشرعية المتفق عليها بين أهل الثقة والورع. وكان هذا العصر هو حلقة الوصل بين عصر النبوة والصحابة ، وعصر تكوين المذاهب الفقهية التي ظهرت فيما بعد.

فمدرسة جابر بن زيد هي التي أفرزت الفقه الإباضي ، الذي انتشر مبكرا في عمان والمغرب وحضرموت. ومدرسة إبراهيم النخعي هي التي خرَّجت الإمام أبو حنيفة ومذهبه الذي انتشر من الكوفة إلى أرجاء العالم. وفكر سعيد بن المسيب هو الذي تطور وتأصل من بعد على يد الإمام مالك ومذهبه المعروف … وهكذا.

في البحث الذي قدمه الفقيه التونسي الدكتور فرحات بن علي الجعبيري حول المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية ، خلص إلى أن هذه المدرسة سلكت منذ يومها الأول المسلك المتفق عليه في الفقه والاجتهاد ، فاعتبرت مصادر الشريعة الأساسية متمثلة في الكتاب والسنة والرأي. وفي ذلك رد على من يدعون أن الإباضية فرقة مبتدعة وبعدما تغيرت هذه النظرة في الدراسات الحديثة ، إلا أن الباحث سجل اعترضه على إشارات الكتاب المعاصرين إلى أن الإباضية أقرب المذاهب إلى أهل السنة .

وتساءل في هذا الصدد : لماذا هذا التصنيف ، بعد أن أثبت أن المذهب الإباضي أسبق المذاهب اعتماداً على السنة اعتمادا كلياً في تأصيل الشريعة ؟

٩ / ١٠