الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٤٠ويمكننا أن نجعل من هذه الآيات الثلاث الأخيرة دليلا على حجية الإقرار بالزنا من باب القياس الكلي الإجمالي؛ بجامع أن الاعتراف فيها صدر عن ذنب اقترفه المعترف والزنى من الذنوب كذلك بل من
أكبرها.
وقوله تعالى على لسان امرأة العزيز يوم اعترفت بمراودتها يوسف عن نفسه بعدما حظيت بإقرار النسوة بجماله الفتان، وجعلت ذلك عذرا فيما اقترفته في حق يوسف عليه السلام، فتجاسرت على الإعراب
عن الحقيقة بعد إنكارها لها، فقالت: وَلَقَدْ رَوَدتُهُ عَن نَّفْسِهِ، فَاسْتَعْصَم (يوسف: 32). فكذبت نفسها فيما قالته لزوجها في الوهلة الأولى من أن سيدنا يوسف أراد بها سوءا، وأقرت بأنها هي التي أرادت به سوءا، وأن يوسف هو الذي أحجم وجاهد للتخلص منه منها (1).
وهذه الآية صريحة في دلالتها على مشروعية الإقرار في شرع من قبلنا، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يبدل (2)، والدليل على عدم تبديله عدم إنكار الله تعالى على فعلها ذلك، ولو كان منكرا لأنكر تعالى عليها، فدل على جوازه. وكذلك تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم الحد على من اعترف باقترافه يشهد لذلك، وعمل صحابته الكرام ومن بعدهم يعضده.
2) من السنة النبوية.
أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم حافلة بالأدلة على مشروعية الإقرار بجريمة الزنا، وتدل على قبول الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك دليلا على إقامة حد الزنا على المقر به، ومن
الأحاديث:
هذه
أ) ما رواه الإمام الربيع بن حبيب في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال: ((اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يارسول الله اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم فقال: تكلم فقال: إن ابني كان عسيفا لهذا الرجل فزنا بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديته منه بمائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني إنما على ابني مائة جلدة وتغريب عام وإنما الرجم على المرأة، قال رسول الله صلى الله
(1) - ينظر: مجمع البحوث، التفسير الوسيط، ج 4، ص 318.
(2)
- ينظر: السالمي، عبد الله بن حميد (ت: 1332 هـ)، طلعة الشمس شرح شمس الأصول، تحقيق: عمر حسن) الإمام السالمي، بدبد، سلطنة عمان، دط، 2010 م، ج 2، ص 92.
القيام، مكتبة
(35)