الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي: مشروعيته وأحكامه الحاتمي، سيف بن خلفان بن عيسى

الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٤٤

وجوب الرجم على من اعترف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد" (1). . وعلل الزيلعي) هذا الإجماع فقال: "لأن الأمة أجمعت على أن الإقرار حجة في حق نفسه حتى أوجبوا عليه الحدود والقصاص بإقراره، وإن لم يكن حجة في حق غيره لعدم ولايته عليه" (3).

وعلى هذا، فالمتفق عليه بين الفقهاء من بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا ثبوت حجية الإقرار دون مخالف في ذلك. فهذه كلها تقريرات للعلماء تؤيد الإجماع على حجية، الإقرار، وأنه وسيلة من وسائل إثبات جريمة الزنا على من ارتكبها. وبعد هذا فلا يبقى مجال لمساورة أدنى شك في نفس أي أحد.

2) المعقول:

دل العقل على مشرعية الإقرار بجريمة الزنا لما فيه من المحاسن، والمزايا فالعاقل لا يقر على نفسه بالزنا كاذبا؛ لأنه في إقراره بالزنا ضرر على نفسه وهو العقوبة المستحقة طبقا لحاله من الإحصان وعدمه، فترجح بذلك جانب الصدق على جانب الكذب لعدم التهمة وكمال الولاية (4). وتظهر كذلك مزية الإقرار في أنه قبل إقرار الزاني بالزنا كان الخبر مترددا بين الصدق والكذب في اتهامه بالزنا، لكنه بعد إقراره ظهر رجحان الصدق على الكذب لوجود الداعي إلى الصدق الصارف عن الكذب؛ لأن عقل المرء ودينه يدفعانه إلى الصدق ويجذبانه عن الكذب، ونفسه الأمارة بالسوء ربما تدعوه إلى الكذب في حق غيره أما في حق نفسه فلا، فصار عقله ودينه وطبعه دواعيا إلى الصدق زواجرا عن الكذب، فكان الصدق ظاهرا فيما أقر به على نفسه فوجب قبوله والعمل به (5) لكنه ينظر في أن الشخص في بعض الحالات قد يقر على نفسه بالزنا كاذبا؛ قصدا في إيقاع الضرر بالمرأة التي يقر بأنه زنى بها، لكن هذا لا يقدح في قيام حجية الإقرار وصدقه؛ لأن طبيعة الإقرار أنه حجة قاصرة على المقر، قلا يؤاخذ غيره

(1) ـ النووي، يحيى بن شرف (ت: 677 هـ)، صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتب العمية، بيروت، لبنان، دط، دت، ج 11، ص 192.

(2) - عثمان بن علي بن محجن الزيلعي الملقب بفخر الدين، توفي 743 هـ / 1343 م. له تصانيف قيمة، منها: تبيين الحقائق في شرح كنز الدقائق وتركة الكلام على أحاديث الأحكام وشرح الجامع الكبير. ينظر: الزركلي، الأعلام، ج 4، ص 210. - الزيلعي، عثمان بن علي (ت: 743 هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، تحقيق أحمد عزو عناية، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1420 هـ / 2000 م، ج 5، ص 411.

_ (3)

(4)

- ينظر: الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 5، ص 411. (5) - ينظر: ابن الهمام، فتح القدير، ج 8، ص 319.

(39)