الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٦٤لكن مما يدل على أن أمر ماعز في تكرر حضوره وإقراره لم يكن إلا للتثبيت، لا لمقتضى الشرع من تكرر الإقرار ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن بريدة (1) ((أن الغامدية لما جاءت تقر بالزنا قالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا)) (2).
(3)
يقول الشوكاني تعليقا على هذا الحديث: "واكتفى منها بالإقرار مرة واحدة، فهذه امرأة محل النقص في عقلها ودينها، فلو كان الإقرار أربعا لا بد منه لم يكتف منها بالإقرار. ثم قولها لم تردني كما رددت ماعزا يفيد أن المألوف المعروف عندها وعند غيرها عدم اشتراط تكرر الإقرار ولو كان ذلك شرطا لم تستنكر ما وقع منه صلى الله عليه وسلم من رد ماعز وأجيب بأن ما روي أن الغامدية قالت له عليه الصلاة والسلام: ((أتريد أن تردني كما رددت ماعزا؟ والله إني لحبلى من الزنا، ليس فيه ما يدل على أن استنكارها لكون الإقرار الذي صدر من ماعز كان على غير ما تعود عليه، وليس في هذا أنه اعتبر قولها فلم يردها، غاية الأمر أنه ردها وغياه إلى ولادتها، ثم ردها إلى فطامها؛ لاتفاق الحال بأن تثبت مع ثبوت حكم الرد مطلقا سبب ظاهر في خصوص هذا
الرد، ولعلها كلما رجعت إليه يصدر منها ما هو إقرار، إذ لا بد أن يقع في مجلسها شيء بصدده، هذا لو لم يكن ما تقدم مما يفيد أن إقرارها كان أربعا" (4).
11
مما
هي
وأما القياس الذي اعتمدوا عليه فهو قياس الإقرار بالزنا أربع مرات على اشتراط الشهود الأربعة في الشهادة على الزنى (5). وتقريره أن سائر الحقوق ليس نصاب الشهادة فيه أربعة ونصاب الشهادة في الزنا أربعة، فلما كانت إحدى الحجتين مختصة بزيادة ليست في سائر الحقوق فكذلك في الحجة الأخرى إعظاما لأمر الزنا وتحقيقا لمعنى الستر" (6).
(1)
115 هـ.
- عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، وكنيته أبو سهل، شيخ مرو، وقاضيها، ولد 15 هـ، وقد عاش مائة سنة توفي وكان من أوعية العلم، وهو متفق على الاحتجاج به ينظر الذهبي محمد بن أحمد: (ت: 748 هـ تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 1419 هـ / 1998 م، ج 1، ص 78.
:
(2) - مسلم، صحيح مسلم، کتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا، ج 3، ص 1323، ح 1695.
(3) - الشوكاني، السيل الجرار، ص: 841.
(4) ـ ابن الهمام، فتح القدير، ج 5، ص 221 - 222، (بتصرف).
(5)
- (6)
عودة، التشريع الجنائي، ج 2، ص 335.
- البابرتي،
العناية،
ج 5، ص 221، (بتصرف).
(59)