الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي: مشروعيته وأحكامه الحاتمي، سيف بن خلفان بن عيسى

الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي

الجزء ١ · صفحة ٦٧

واحد، ومن ثم لا بد أن يرد المقر مرة وأخرى وثالثة وفي الرابعة يؤخذ بإقراره " (1).

يقول ابن الهمام تعقيبا على ما ورد في هذه الأحاديث: فصرح بتعداد المجيء، وهو يستلزم غيبته، ونحن إنما قلنا: إنه إذا تغيب ثم عاد فهو مجلس آخر. فهذه وغيرها مما يطول ذكره ظاهر في تعدد المجالس، فوجب أن يحمل الحديث الأول الذي يظهر فيه أن كل الإقرارات الأربعة كانت في مجلس واحد عليها،

وأن قوله فتنحى تلقاء وجهه معدود مع قوله الأول إقرارا واحدا؛ لأنه في مجلس واحد " (2). ثم اختلف الحنفية (3) في المجالس الأربعة، هل المعتبر منها مجالس المقر أم مجالس القاضي؟ قال بعضهم: إن المعتبر في مجالس الإقرار هو مجالس المقر، وهو الصحيح الذي روي عن أبي حنيفة أنه يعتبر مجالس المقر؛ لأنه عليه الصلاة والسلام اعتبر اختلاف مجالس ماعز حيث كان يخرج من المسجد في كل مرة، ثم يعود ومجلسه عليه الصلاة والسلام لم يختلف.

وقال آخرون: إن المعتبر هو مجالس القاضي وليس مجالس المقر. جاء في الفتاوى الهندية: "والإقرار أن يقر البالغ العاقل على نفسه بالزنا أربع مرات في أربعة مجالس المقر. وقال بعضهم: يعتبر مجالس القاضي، والأول أصح)

(4)

القول المختار:

من

مي

خلال النظر في أقوال الفقهاء وعرضهم للأدلة نلاحظ أن كلا الفريقين استدل بأدلة ليست قاطعة في دعم ما ذهب إليه، ولذلك نشأ هذا الخلاف حتى بين علماء الحديث أنفسهم، وبعض هذه الأحاديث لا تخلو من مقال، إلا أن المؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم رد ماعزا، ولعله بسبب شكه في صحة عقله، ولذلك سأله وسأل قومه عنه، ولو ثبت أن ماعزا يعاني من بعض الاضطرابات العقلية لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بإقراره حتى لو بلغ إقراره مئات المرات. ولهذا نخلص إلى أن هذا الأمر وهو اعتبار عدد الإقرار مرده إلى القاضي ينظر في أمر المقر، فإن تبين له أنه على تمام عقله أخذ بإقراره ولو أقر مرة واحدة، وإن تبين عكس ذلك رد إقراره ولو كرره مرارا (5).

(1) - خلود سامي، إثبات جريمة الزنا، ص 98.

(2) - ابن الهمام، فتح القدير، ج 5، ص 220، (بتصرف).

(3) - الكاساني، بدائع، ج 7، ص 50.

(4) - نظام الدين، الفتاوى الهندية، ج 2،

ص

.144

(5) - ينظر: محمد فاروق النبهان مباحث في التشريع الجنائي الإسلامي،

ص

.278 - 277

(62)