الإقرار بجريمة الزنا في التشريع الإسلامي
الجزء ١ · صفحة ٧٨وما ورد في قصة العسيف، أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الحد على ابن الرجل، ثم أمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها)) (1).
وجه الدلالة: فلو كان اعتراف المرأة المزني بها بزناها شرطا لثبوت الحد ووجوبه على المقر به وتكذيبها موجبا لسقوطه عنه لما جلده إلا بعد سؤالها. واستدلوا كذلك بالمعقول، ومفاده أن انتفاء ثبوت الزنا في حق المزني بها لا يبطل إقرار المقر بالزنا بها، كما لو سكتت، أو كما لو لم تسأل ولأن عموم الخبر يقتضي وجوب الحد عليه باعترافه، وهو قول عمر: ((إذا كان الحبل أو الاعتراف)) (2) (3). ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن القول بانتفاء ثبوت الزنا في حق المزني بها لا يبطل إقرار المقر بالزنا بها، كما لو سكتت أو كما لو لم تسأل غير مسلم به؛ إذ لا يتصور أن تبقى المرأة ساكتة مع عدم اعترافها بوقوعها في هذه الجريمة؛ لأن هذا موضع إفصاح وبيان والسكوت في معرض البيان بيان. وكذلك التعويل على عدم سؤالها قد لا يستقيم؛ لأنه من المطلوب أن يتأكد القاضي من خلو الإقرار من أي شبهة يمكن بها سقوط الحد.
ويرى أبو حنيفة (4) عدم مؤاخذة هذا المقر بإقراره؛ لأن فعل الزنا لا يتصور إلا بالفاعل وهو الزاني والمحل وهو المزني بها، فإذا لم يظهر في جانب المرأة امتنع الظهور في جانب الرجل. والذي يدل على ذلك أنه لو انتفت صفة الزنا في جانبها بدعوى النكاح سقط الحد عنهما، فبانتفاء أصل الفعل كان أولى بالحكم بسقوط الحد، وهذا؛ لأن القاضي لا يتمكن من القضاء عليه بالزنا بها مع إنكارها، فتبقى محصنة ولا يتمكن من القضاء عليه بالزنا بغيرها؛ لأنه لم يقر بذلك، وبدون القضاء بالزنا لا يتمكن من إقامة الحد (5).
ويظهر من رأي الإمام أبي حنيفة أنه نظر إلى المسألة مجردة من الملابسات التي قد تعتري تكذيب المرأة المزني بها، فقد تنكر المرأة لا لعدم الوقوع بل لأمور أخرى تدعوها إلى ذلك. كأن يتحدث عنها بسوء
(1)
صحيح
الربيع، الجامع الصحيح، ص 235 - 236، مسلم، ج 3، ص 1324، ح 1697.
(2) - البخاري، صحيح البخاري، ج 8، ص
ح 597. البخاري، صحيح البخاري، ج 8، ص 172، ح 6842. مسلم،
168.6829
ص
ح
(3) – ابن قدامة، المغني، ج 9، ص 65 البهوتي، كشاف القناع، ج 6، ص 99.
(4) - السرخسي، المبسوط، ج 9،.
(5) - ينظر: الكاساني، بدائع، ج
ص
.98
67
ص
61. السرخسي، المبسوط، ج 9، ص 99.
(73)