الغيرة دراسة شرعية ونفسية
الجزء ١ · صفحة ٦٦الغَيْرَةُ.
دراسة شركيّةٌ ونفسيّةٌ
أ) الحديثان وغيرهما يحكيان الواقع الذي يعيشه النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، وبينَ نسائه، كأي بشر متزوج لعدة نسوة، يحصل بينهن الشقاق والخلاف من نتاج غيرتهن من بعضهن وعليه أفضل الصلاة والسّلام. ب حُسْنُ معاشرة النبي لأهله؛ عدلاً منه وتجنّباً لوقوع غَيرة بينهن. الإنسان حال غضبه لا يملك نفسه، وقد عذره الإسلام في بعض أفعاله. ج) ما صنعته عائشة رضي الله عنها، كان على مرأى ومسمع من رسول
ايک
الله، وهو يلمح ذلك بطمأنينة وهدوء، ويتنفس هموم حبيبتِه، وَيَعذِّرُ الغَيْرى، ويُعرِضُ عن لومها وعتابها، ويُضرب عن تأديبها ولو بالكلام،
ويهوي بتواضعه الجمّ إلى فِلَقِ الصَّحفةِ وأشلاء الطعام فيجمعها من الأرض، وهو يردد ويتودَّدُ بأرق عبارة، وأعذب بيان، وأجمل اعتذار "كُلُوا، غَارَت أُمُّكم"، وهنا كانت احدى خطوات علاجه لحادثة الغيرةً
هذه.
د) غمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بعطفه وإلطافه، وشمل المرسلة بعدله وإنصافه، فرضي الجميع بقوله وفعله. وهنا عالج عليه السّلام الغيرة عند طرفيها بأحسن علاج وأتقنه فتعلموا
يا معشر الإسلام. ه) الحث منها، خاصة مع حداثة سِنّها، وكثرة ضرائرها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدَّة، الغضب والغيرة مركَّبة في النَّفس فلا تملك
على عدم مؤاخذة الغَيْرى، وإحسان الظن بها، وتحمل ما يصدر
دفعها.
و) قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيمن أتلف شيئًا بغير إذن مالكه بغرامة مثله، وضمان نظيره، فدفع الصَّحفة الصحيحة إلى المهدية، وحبَسَ المكسورة في بيت عائشة، واقتصر على تغريم القصعة، ولم يُغرِّمها الطعام؛ لأنه كان مهدى، فإتلافه في حكم القبول، فسوَّى بينهما في الضمان: ((إنَاءً كإنَاءٍ))، وهذا عَيْنُ العدل، ومحضُّ القياس، وتأويل القرآن، قال تعالى:) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ
لِلصَّابِرِينَ).
سورة النّحل، الآية (126).
50