المضاربة بالعروض: دراسة فقهية مقارنة بين المذهبين الإباضي والمالكي بشير بن موسى الحاج موسى

المضاربة بالعروض

الجزء ١ · صفحة ١٢

5) العمل:

كل التعاريف التي عُرفت بها المضاربة عند فقهاء الإباضية والمالكية كما سبق - تتفق على أن عمل المضاربة التي يأخذ لها العامل المال من رب المال هو التجر، أي شراء سلع ثم بيعها للربح؛ لكن تبين من خلال تفاصيلهم أن إطلاق التجارة كان من باب التغليب ولم يكن القصد من ذلك الحصر، فالتجارة وسيلة من وسائل إنماء المال، فكل معاملة مشروعة تحقق نفس الغاية جازت كالتجارة.

جعل ابن جزي المالكي من شروط المضاربة التي لا تصح إلا بها أن لا يُضرب أجل العمل، وأن لا يُحجر على العمل فيقصر على سلعة واحدة أو دكان.

أما عند الإباضية بالنسبة لشرط ضرب الأجل فهو عندهم على قولين قال شارح "النيل": "إِنْ أَعْطَاهُ الْقِرَاضَ عَلَى أَنْ يَتَّجِرَ بِهِ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَا يَجُوزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جَائِزٌ، … وَقِيلَ: إِذَا شُرِطَ فِيهَا أَجَلٌ مَعْلُومٌ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَإِذَا دَخَلَ الْعَامِلُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَهِيَ إِلَى أَجَلٍ فَرَجَعَ رَبُّ الْمَالِ فَلَا يَجِدُهُ عَلَيْهِ إِذَا كَرِهَ حَتَّى يَشْتَرِيَ بِالنَّفْدَيْنِ مَتَاعًا، وَإِنْ اخْتَلَفَا كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْعُدُولِ 3.

أما التحجير على العامل فرأي الإباضية على العكس من قول ابن جزي المالكي الذي لم يجز التحجير على العامل في عمله، فعند الإباضية جواز اشتراط رب المال ما يشاء مما يتعلق بالعمل قال صاحب "النيل": وَلِكُلِّ اشْتِرَاطُ تَجْرِ فِي جِئْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ فِي بَلَدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ نَفْيُهَا فِيهَا، وصُحح الضمان إن حجر عليه بلد أو

جنس فخالف 4.

5

وقال: وَلِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ طَرِيقًا يَأْخُذُهَا الْمُضَارَبُ أَوْ نَاسًا أَوْ وَاحِدًا يَتَّجِرُ مَعَهُمْ أَوْ يُسَافِرُ " ثم تبين أن عند المالكية قولا آخر، قال الباجي: "مَنْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يَتَّجِرَ بِسِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ بِالْحَيَوَانِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَهُ شَرْطُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبْقَى لَهُ مِنْ السّلَع مَا لَا يُعْدَمُ التِّجَارَةُ فِيهَا فِي بَلَدٍ مِنْ الْبُلْدَانِ وَلَا وَقْتَ مِنْ الْأَوْقَاتِ، وَهَذَا شَرْكٌ فِي صِحَّةِ الْقِرَاضِ.

وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ تَعْدَمُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ أَوْ تَتَعَذَّرُ التِّجَارَةُ بِهَا لِقِلَّتِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ لَمْ تَجُزْ الْمُقَارَضَةُ بِهَا، وَعَقْدُ الْقِرَاضِ عَلَى ذَلِكَ … فَاسِدٌ … وَالدَّلِيلُ … أَنَّ هَذَا اشْتَرَطَ مَا يُنَافِي عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَ … ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُنَافِي الْمُضَارَبَةَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ النَّمَاءُ وَالرِّبْحُ، وَإِذَا قَالَ لَا تَشْتَرِ إِلَّا هَذَا التَّوْبَ فَإِنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُعْدَمَ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ رِبْحٌ فَيَبْطُلَ مَقْصُودُ الْقِرَاضِ". حكم المضاربة

1 - ينظر مثلا: اطفيش شرح النيل، 328/ 10.

2 - القوانين الفقهية، ص: 186.

3 - اطفيش، شرح النيل، 328/ 10.

4 - اطفيش، شرح النيل، 325/ 10

5 - اطفيش، شرح النيل، 331/ 10. 6 - المنتقى شرح الموطأ، 5/ 159.

127