المضاربة بالعروض
الجزء ١ · صفحة ١٦رابعا: سبب الخلاف يرجع إلى اعتبارين:
—
الاعتبار الأول: ثبوت حديث لا) قراض إلا بعين)، وتأويله حال ثبوته.
قال في شرح "النيل" في سياق ذكر رأي ابن عباد وابن أبي ليلى القائلين بجواز المضاربة بالعروض: لَعَلَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْدهُمَا حَدِيثُ: (لَا قِرَاضَ إِلَّا بِعَيْنِ، أَوْ هُوَ مُؤوَّلٌ بِحَذْفِ النَّعْتِ، أَيْ: لَا قِرَاضَ كَامِلًا. قُلْت: أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: مُرَادُ الْحَدِيثِ لَا قِرَاضَ إِلَّا بِعَيْنِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِمَا جُعِلَتْ فِيهِ، … كَمَا تُزَكَّى عُرُوض التَّجْرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ .... وَلَا يَتَكَلَّفُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْحَدِيثِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: أَرَادَ الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ ثَابِتَةٌ بِنَفْسِهَا، وَالْعَيْنَ الْمُتَقَرِّرَةَ بِالْعُرُوضِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ أَحْسَنُ مَا يُوَجَّهُ بِهِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّادٍ -رحمه الله. - الاعتبار الثاني: اعتماد القياس على المضاربة من عدمه، إذ المضاربة أصلها أن لا تجوز لجهالة الربح وأجيزت بالسنة استثناء خارجة عن الأصل فلا يقاس عليها غير العين.
21
قال شارح "النيل": "الْمُضَارَبَةَ لَا تَقَعُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ بِالْحَدِيثِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُ الْعَيْنِ وَلَا سِيَّمَا أَنَّ الْمُضَارَبَةَ أَصْلُهَا أَنْ لَا تَجُوزَ لِجَهْلِ الرّبْح، وَلَكِنْ جَازَتْ بِالسُّنَّةِ خَارِجَةً عَنْ الْأَصْلِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا. خامسا: القطع بعدم جواز المضاربة بالعروض بلا تقويم، قال في شرح النيل: "وَأَمَّا الْمُضَارَبَةُ بِعُرُوضِ بِلَا تَقْوِيمٍ فَلَا تَجُوزُ قَطْعًا 3.
2 - موقف الفقه المالكي من المسألة
الرأي الذي استقر عليه الفقه المالكي سلفا وخلفا هو عدم جواز المضاربة بالعروض، ومن خلال استطلاع النصوص الفقهية للمذهب يمكن حصر هذا الرأي فيما يلي:
أولا: الرأي المعتمد لدى جمهور المالكية عدم جواز القراض بالعروض مطلقا.
ففي "التاج والإكليل" عن ابْن عَرَفَةَ أنه قال: الْمَذْهَبُ مَنْعُ الْقِرَاضِ بِعَرَضِ وَلَوْ مِثْلِيًّا. ونقل الحطاب عن القاضي أنه قال: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ جَائِزٌ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِم غَيْرُ جَائِزِ بِالْعُرُوضِ مَا كَانَتْ. ونقل الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير عن بعض الجواز في اتخاذ شيء من العروض رأس مال في القراض إذا انفرد التعامل به وساق القول بالمنع للخمي مقيَّدا بما إذا كان في بيع ذلك العرض خطبا، ثم قال: "وتقييده ضعيف، والمعتمد المنع مطلقا".
ثانيا: القول بعدم جواز المضاربة بالعروض عند المالكية يرجع زمنيا إلى عهد التأسيس، إذ نُقل ذلك عن إمام
المذهب مالك بن أنس.
1 - شرح النيل، 313/ 10. -2 - شرح النيل، 380/ 10.
3 - شرح النيل، 92/ 8.
4 – المواق، 446/ 7. ومعنى المثلي أنه عِنْدَ الْمُفَاصَلَةِ يردُّ العامل مِثْله بنفس الكيل أو الوزن أو العدد.
5 - مواهب الجليل، 358/ 5.
6 - حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، 519/ 3.
16