المضاربة بالعروض
الجزء ١ · صفحة ١٧فقد جاء في "المدونة": "أَرَأَيْتَ الْقِرَاضَ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. … قَالَ: لِأَنَّهُ خَطَرٌ يَأْخُذُ الْحِنْطَةَ أَوْ الشَّعِيرَ، وَقِيمَتُهُ يَوْمَ أَخَذَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَيَعْمَلُ بِهِ فَتَصِيرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ يَرُدَّهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَيَغْتَرِقُ رِبْحُهُ أَوْ تَكُونُ قِيمَتُهَا حِينَ يَرُدَّهَا خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَيَكُونُ قَدْ رَبِحَ فِيهَا. … قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: الْقِرَاضُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، … وَلَيْسَ الْقِرَاضُ بِأَنْ تَدْفَعَ إِلَى صَاحِبِكَ سِلْعَةً أَوْ غَيْرَهَا مَا كَانَتْ، ثُمَّ تُسَمِّي لَهُ مَا قَامَ بِهِ عَلَيْكَ، وَتَقُولُ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ رِبْحٍ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَلَيْسَ هَذَا الْقِرَاضَ، وَلَكِنَّ هَذَا بَابٌ مِنْ الْإِجَارَةِ لَا يَصْلُحُ.
وقال مالك في "الموطأ": "لَا يَصْلُحُ الْقِرَاضُ إِلَّا فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ وَلَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ
الْعُرُوضِ وَالسّلَع"
211
ثالثا: استدل المالكية على منع المضاربة بالعروض بمبررين هما:
1/ الغرر الذي يكون بسبب تغير قيمة هذه العروض.
ففي "الموطأ" عن مالك: "لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُقَارِضَ أَحَدًا إِلَّا فِي الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْمُقَارَضَةُ فِي الْعُرُوضِ؛ … وَلَعَلَّ صَاحِبَ الْعَرضِ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى الْعَامِلِ فِي زَمَنِ هُوَ فِيهِ نَافِقٌ كَثِيرُ الثَّمَنِ، ثُمَّ يَرُدَّهُ الْعَامِلُ حِينَ يَرُدُّهُ وَقَدْ رَخُصَ فَيَشْتَرِيهِ بِثْلُثِ ثَمَنِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْعَامِلُ قَدْ رَبِحَ نِصْفَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْعَرْضِ فِي حِصَّتِهِ مِن الرِّبْحِ أَوْ يَأْخُذُ الْعَرْضَ فِي زَمَانٍ ثَمَنُهُ فِيهِ قَلِيلٌ فَيَعْمَلُ فِيهِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَغْلُو ذَلِكَ
الْعَرضُ وَيَرْتَفِعُ ثَمَنُهُ حِينَ يَرُدُّهُ فَيَشْتَرِيهِ بِكُلِ مَا فِي يَدِهِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ وَعِلَاجُهُ بَاطِلًا فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ 3. وأضاف شارحه الباجي وجها ثالثا عن أبي مُحَمَّدٍ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، وَهُوَ إِذَا أَعْطَاهُ عَرْضًا بِقِيمَتِهِ وَجَعَلَا تِلْكَ الْقِيمَةَ رَأْسَ الْمَالِ، ثم نقل عن الْقَاضِي أَبي الْوَلِيدِ قوله: "وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ لَهُ حُكْمُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ؛ … لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ لِرَبِّ الْمَالِ أَوْ يَرُدَّهُ وَقِيمَتُهُ أَقَلُّ فَهَذِهِ زِيَادَةٌ لِلْعَامِلِ". وقال: "مَا يَدْخُلُهُ تَغَيَّرُ الْأَسْوَاقِ مِنْ الْعُرُوضِ فَلَا يَجُوزُ الْقِرَاضُ بِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَأْخُذُ الْعَامِلُ الْعَرِضَ قَرْضًا وَقِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارِ فَيَتَّجِرُ فِي الْمَالِ فَيَرْبَحُ مِائَةً فَيَرُدُّهُ وَقِيمَتُهُ مِائَتَانِ فَيَصِيرُ الرِّبْحُ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا يَحْصُلُ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ، وَقَدْ لَا يَرْبَحُ فَيَرُدُّهُ وَقِيمَتُهُ خَمْسُونَ فَيَبْقَى بِيَدِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ خَمْسُونَ فَيَأْخُذُ نِصْفَهَا، وَهُوَ لَمْ يَرْبَحْ شَيْئًا.
ونقل الحطاب عن الْجَوَاهِرِ أَن الضَّابِط لِهَذَا الْحُكْمِ أَنَّ كُلَّ مَا تَخْتَلِفُ قِيمَتُهُ بِالارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَل رَأْسَ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا رُدَّ بِالْأُجْرَةِ إِلَيْهِ لَمْ يَتَمَيَّزُ الرِّبْحُ إِذْ رُبَّمَا ارْتَفَعَتْ قِيمَتُهُ فَيَسْتَغْرِقُ رَأْسُ الْمَالِ جَمِيعَ الربح أَوْ بَعْضَهُ أَوْ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ فَيَصِيرُ بَعْضُ رَأْسِ الْمَالِ رَبْحًا.
1
مالك بن أنس، 630/ 3.
2 - الباجي، المنتقى شرح الموطأ، 156/ 5.
3 - الباجي، المنتقى، 166/ 5.
4 - المنتقى، 166/ 5.
5 - المنتقى، 156/ 5. 6 - مواهب الجليل، 359/ 5.
17