المؤسسة التنصيرية في الصحراء الجزائرية في نهاية القرن 19م: مزاب والأهقار نموذجا الحاج امحمد الحاج ابراهيم

المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

خاتمة:

لقد رافق الزحف الاستعماري على الدواخل الجزائرية وبلدان إفريقية السوداء مدّ تنصيري كبير شد أزر المستعمر وعاضده؛ وقد ساعد الاستعمار المنصرين بأن كفلهم بغطاء الحماية والأمان في الوقت الذي ظهر في أفريقيا من شمالها إلى جنوبها تنافس واضح بين المنصرين والمستكشفين والآلة العسكرية الاستعمارية من حيث التسابق إلى التوغل في الدواخل ونصب العلم الفرنسي أو غيره تمهيداً لتكون منطقة نفوذ؛ فإذا كان الجغرافي المستكشف يقتصر على المغامرة الفردية أو المقامرة من أجل العودة بخرائط عن المسالك والتضاريس والسكان .. فإن المنصرين وفي عمل مؤسساتي منظم كانوا يركزون على الاستقرار وبسط الأفكار تمهيداً لتقبل الاستعمار من قبل السكان كحامل للحضارة والتطور انتهاء بالتخلّى عن "الهمجية الإفريقية".

وقد بدا بأن نموذج فتح المنصرين للطريق للعلم الفرنسي في أفريقيا السوداء كان ناجحاً نوعاً ما بدليل تنصر الكثير من القبائل الإفريقية خلال الفترة التي تصدينا لها بالبحث والدراسة في السنيغال ومرتفعات إفريقيا الشرقية

بدءا

من جنوب السودان مروراً بترانيا وصولاً إلى جنوب إفريقيا، إلا أنه مني بفشل ذريع في شمال أفريقيا؛ أين وطد الإسلام أقدامه بها، وقد باءت جميع محاولات التوغل إلى الصحراء الجزائرية أو اجتيازها من أجل الوصول إلى إفريقيا بالفشل، إذ قُتل المنصّرون الذين اجتازوا الحدود الفعلية التي يسيطر عليها الفرنسيين، كما ظلّ الرهبان ينتظرون تقدم الفرق العسكرية في كل مرة ليتمكنوا من التقدم معهم.

وبالنسبة للصحراء الجزائرية تعود أولى محاولات العمل التنصيري إلى الخمسينات من القرن التاسع عشر؛ إذ تقدم الاستعمار الفرنسي إلى ما وراء الأطلس الصحراوي بعد إنهاء مقاومتي الأمير عبد القادر سنة 1847 م وأحمد باي سنة 1848 م بعد ذلك، وكان يرافق الفرق العسكرية بعض المنصرين العاملين في الجيش كمرشدين، كما أخذ المنصرون اليسوعيون السبق بعد وصول الفرق العسكرية إلى الأغواط في الاستقرار بها كأول مؤسسة تنصيرية حاولت الاستقرار بالصحراء الجزائرية، وبالنسبة لمنطقة مزاب 200 كلم جنوب الأغواط فقد كان أول اتصال رسمي من الفرنسيين مع مسؤولي منطقة مزاب في نهاية سنة 1852 بعد الدخول العدواني على الأغواط ورفع العلم على مأذنة مسجدها، ثم فرض حصار على المنفذ الشمالي لمنطقة مزاب ومحاولة إخضاعها لاتفاق بتنازلات مقابل شروط هزيلة؛ وتم تفعيل الاتفاق أو المعاهدة في أفريل 1853، ولقد أفادت هذه المعاهدة كثيراً جل المناطق المجاورة في أنها أخرت استعمار الجنوب لمدة ثلاثين سنة أخرى؛ وسمحت المعاهدة المبرمة بين مزاب وفرنسا بترك المجال مفتوحا لنصرة الثورات الشعبية في الريف والصحراء الجزائرية وتموينها بالسلاح والغذاء _كما كانت مزاب تفعل دوما قبل المعاهدة_ حيث لم يكلف المزابيون أنفسهم عناء التقيد بهذه الاتفاقية بل كانوا يموّنون الثورات هنا وهناك ويغذونها بالمؤن والأسلحة والذخيرة ما جعل فرنسا تحاول مراجعة هذه الاتفاقية مرات عدة ولكنها لم تشأ ذلك لأنها لا تريد فتح جبهة جديدة مع السكان يصعب غلقها، وبالمقابل حاولت زعزعة استقرار المنطقة ببث القلاقل والفتن بين السكان ببث العيون فيها كرد فعل.