المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٤٤2 مراحل تطور الحركة التنصيرية
جاءت دعوة المسيح استجابة لمتطلبات الحياة في العهد الروماني، وفي عصرها الإمبراطوري، حيث طغى الانحراف والجفاف الروحي، وكذا ضآلة الشعور بالمعاني والقيم الأخلاقية، حيث كان الحكم الروماني على المستعمرات بالجزء الغربي للعالم القديم وحوض البحر الأبيض المتوسط هو المسؤول عن الظلم والفاقة الذين عاشتهما شعوب تلك المنطقة، فجاءت دعوة المسيح لإصلاح القلوب العامرة بالكراهية والحقد و"إعلان مملكة الضمير واحتقار المال (171)؛ إذ دعا سيدنا عيسى إلى عبادة الله وحده لا شريك له والتخلي عن الخضوع للبشر والميول إلى التسامح؛ وقد برهن لهم بمعجزات منحها الله له من إبراء الأكمه والأبرص وكذا إحياء الموتى بإذنه تعالى (172)، وما ألقى هالة عليه فيما بعد هو صعوده من الأرض.
وأخذت المسيحية ودعوتها بعد ارتقاء عيسى عليه السلام إلى السماوات، تتشكل من جانبين:
- فكري؛ يخص فكر وعقيدة هذه الدعاية.
من
تنصيري؛ وهو الدعوة ونشر التعاليم من الدعاة بين الناس.
ولما كان تلاميذ المسيح من قليلي الحظ في العلم وهم خارجون بها إلى الناس التقطها رجل يسمى "بولس"، وهو يهودي مشبّع بالثقافة الهيلينية الإغريقية عاش في زمن عيسى عليه السلام ولم يلتق به ولم يره، وكان أول أضفى على الدعوة عناصر أخرى من بينها الربوبية والبنوّة الحقيقية وخليطاً آخر من التعليمات، منها منع الختان تخفيفاً على الوثنيين، وفكرة تحوّل الخمر إلى دم والخبز إلى لحم، وقد دخل "بولس" في جدال مع أصحاب الدعوة الأولين (الحواريون وكان أقوى منهم تأثيراً فأسكتهم، بينما خرج بها هو من بيت المقدس وفلسطين إلى بقية الأمم، وأضاف إليها في تعاليمها ما يجعلها مقبولة لدى حكام عصره (173).
اختفت تعاليم المسيحية الحقيقية مع "بولس" وأحاطها بالغبش، وعملت هذه المسيحية الجديدة على استيعاب مزايا ديانات، عصرها فورثت عن اليهود كتب العهد القديم وطريق الرهبنة وزادت عليهما، واستوعبت قوانين اليهودية الأخلاقية، وأخذت عن الفلسفة الرواقية فكرة الإخاء، ومن الأفلاطونية جوانب صوفية، ورأى الدعاة إليها أن اتحاد الله بالجسد أمر مستحيل لفساد الجسد فلابد إذن من وسيط، ولأن المسيح شخص عاش وراءه الناس وكان أكثر فاعلية في نفوسهم من الآلهة التي سمعوا عنها ولم يروها فقد جعل منه الواسطة (174)؛ ومن تم خالط المسيحية في أوروبا الرومانية القيم والتصورات الوثنية، وأخذ من النظام الروماني الوثنية كسلوك وكتصور وحامي لها فيما بعد القرن الرابع
(175)
- محمد بن الناصر الشتري، المرجع السابق، ص 5. 171
- سورة آل عمران، الآية: 49. 172
- عبد الجليل شلبي، المرجع السابق، ص 47.
173
- عبد الجليل شلبي، المرجع السابق، ص 48. 174
- عماد الدين خليل، أحقاد وأطماع التبشير في إفريقيا المسلمة، المختار الإسلامي، ط 2، القاهرة، 1979.
ص
175.7