المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٤٥ومما زاد من ميول الناس إلى هذه الديانة هو ذلك الاضطهاد الذي عانى منه أفرادها طوال القرون الثلاثة
الأولى من طرف الأباطرة الرومانيين، مما جعل الناس يبحثون في فحوى هذه الأفكار وخاصة فكرة المخلّص المرتقب، فظلت العقائد تترنح وتتأرجح لغياب القاعدة الثابتة؛ حتى عندما تم إصدار "مرسوم ميلانو" المرخص للمسيحية على أرض الإمبراطورية الرومانية لم تدل هذه الخطوة إلا على أنه كان عملاً سياسياً بحثت الإمبراطورية من خلاله توجيه هذه العقيدة بما يخدم أغراض الأباطرة بعد إحساسهم بزيادة أتباعها وتوسع رقعتها وضعف سلطانهم في جسم الإمبراطورية (176).
!!
انتشرت الدعوة إلى النصرانية من خلال "بولس" و"برنابا" و"مرقس صوب كامل فلسطين وسوريا حتى أنطاكية ومصر؛ وانتقل "بولس" و"بطرس" إلى روما وانتهى بهما الحال مقتولين واضطهد الإمبراطور "نيرون" (Néron) كل من يؤمن بأفكارهما، مما أضاف إليهما هالة أخرى، وكذلك قتل "بطرس" و"مرقس" ومَثَّل بهما في مصر؛ ولكن التنصير لم يتوقف وتواصل في الانتشار خاصة في ظل فكرة "المنقذ المخلّص" اليهودية، والتي خرجت من ضيق اليهودية المقتصرة على الإسرائيليين إلى فضاء المسيحية الأوسع الذي يمكن الاستفادة من الخلاص للجميع، فتوسعت الدعوة خلال القرون الثلاثة بحثاً عن هذا الإنقاذ حتى كثُرت الآراء والأقوال والعقائد في القرن الرابع مما عجل بالإمبراطور إلى اتخاذ الترخيص للديانة المسيحية في محاولة لاحتوائها ورومنتها (177). ومن ذلك التاريخ بدأت النصرانية تنتشر بشكل رسمي عبر الأشخاص الذين يسمون بـ"الرسول" (Apotre) والجماعات الذين يعرفون بالجمعيات الدينية (Congregation) وأغلبهم كانوا يكرسون حياتهم لهذا العمل، منعزلين في الأديرة والكنائس، ولما أخذت كنيسة روما موقعها كأم على الكنائس تشريفاً لمكان مقتل "بولس الرسول، وكبر شأنها كمركز للدعوة في أوروبا وبعد أن أعلن البابا ليو (461440 م) في عام 455 م من روما خضوع كل الأساقفة (178) الذين يرأسون الكنائس المحلية وضرورة العودة برأيهم إلى روما لتوحيد العقيدة التي تعدّدت تعدّد الكنائس؛ لكن أساقفة المشرق لم ينصاعوا له في جملتهم (179)، بينما تبعته الكنائس الأخرى الأوروبية.
???
بعد هذه الخطوة أصبح للبابا بروما منذ ذلك الوقت نفوذ قوي بحكم مكانته على أعلى الهرم الكنسي، وقد كسب ولاء الشعوب الأوروبية له، فتدخل في سياسة أوروبا خلال فترة العصر الوسيط، وقد تكونت في صلب الكنيسة الجمعيات الرهبانية للقساوسة المهتمين بأعمال مهمات نقل النصرانية ونشرها بين الناس وأقدمها "الدومينيكان" (Ordre des dominicans) و "الفرانسيسكان" (Ordre des Frères mineurs ou franciscains) والتي تكونت في بحر القرن السادس، وبعد ذلك ظهرت أيضاً جمعيات آباء رفقة المسيح" (Les pères de la
- علي ابراهيم |
- عبد الجليل شلبي، المرجع السابق، ص 65 176
النملة، التنصير مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته، دار الصحوة للنشر، القاهرة، 1993. ص
177
13
- يرأس الأسقف "كنيسة أسقفية"، "، وهي مقاطعة جغرافية مقسمة بدورها على الأبرشيات وهي الأحياء والمدن التي بها عدد
، 369. droit Canonique معتبر من المسيحيين. القانون الكنسي،
178
- شلبي، المرجع السابق، ص
179
89