المؤسسة التنصيرية في الصحراء الجزائرية في نهاية القرن 19م: مزاب والأهقار نموذجا الحاج امحمد الحاج ابراهيم

المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس

الجزء ١ · صفحة ٥٠

رغم هذه الظروف التي سمحت لرجال الجمعيات الرهبانية بالتنقل مع الحملات الأوروبية الاستعمارية نحو الآفاق الرحبة في إفريقيا وآسيا إلا أنها لم تكن كلها تصب في صالح ما يرغب فيه رجال الدين وذلك لأسباب سياسية متعددة؛ فقد أتى مع الحملة الفرنسية على الجزائر 17 مرشداً دينياً عسكرياً (Aumonier)، وبعد إتمام الاحتلال لمدينة الجزائر تم تسريحهم وإرسالهم إلى فرنسا وخلال السنوات الأولى للاحتلال كانت الجزائر مغلقة بعض الشيء على القساوسة بداعي عدم استفزاز الأهالي بالقضية الدينية، ولَمَّا تقررت وضعية الجزائر النهائية كوزارة واستقدم المعمرين أصبح من الضروري ضبط وتنظيم الأمور الدينية للكاثوليكيين بها (199)؛ فبعث الملك في أكتوبر 1838 بوصية إلى الكرسي البابوي يدعوه فيه إلى تفعيل دورها الديني في الجزائر.

وعين ديبيش (Dupuch) أسقُفاً على الجزائر بتاريخ 25 أوت 1838، وإلى جانبه ثلاثة قساوسة موظفين، وبعد عام من بداية نشاطه كان قد قدم إلى المستعمرة 25 قسيسا وشيّدت ثمانية كنائس وسبع كنائس خاصة ومعهد للاهوت وثمانية مدارس كاثوليكية، وملجأ للأيتام ومستشفى أهلي تحت إدارة جمعية "أخوات القديس فانسون دي بول".

وكان "ديبيش" مندفعاً برغبة وحماسة لتنصير الأهالي مما تسبب في ذعر كبير للسلطة العسكرية المتخوفة من ردود الفعل المحلية، فلم تتأخر في تبليغ إخطار إليه يخبره: "إلا السكان الكاثوليك هم وحدهم الذين يهتم بهم من طرف رجال الدين في الجزائر (200)، وقد أحس رجال الدِّين أن السلطة العسكرية في الجزائر تضيق عليهم، حيث ما إن وصلت أنباء وصول أسقف سوري، متكلم بالعربية، سيترل في ميناء سكيكدة سنة 1839 حتى انتفض الموظفون السامون لعمالة قسنطينة في حالة من الهيجان وأعطوا الأمر بتوقيفه حال نزوله، كما قد أعطيت الأوامر بترع الصلبان قاعات مستشفيات مدينة قسنطينة (201)، بحجة أنه يكدّر المسلمين فلا يأتون للمداواة؛ وقد دفعت من الأمور بالأسقف ديبيش إلى الاستقالة نهاية 1848 مع خلف الأسقف بافي (Pavy) الأسقف ديبيش (Dupuch) على رأس أسقفية، الجزائر، وبروح تنصيرية لا تقل حماسة عن سابقه في تحويل المسلمين عن دينهم من أول يوم من أيامه بالجزائر، وهو مندفع في خدمة هدفه، ولكنه لم يلبث هو أيضاً أن اصطدم بعوائق تحد من حرية عمله حيث أقيم على مدخل الكاتدرائية مخفراً يمنع العرب من الدخول إليه وكان ذلك تحت طلب قبائل قسنطينة.

(202) 1

وقد طلب "بافي" من الحاكم العام أن يبدأ المهمات التنصيرية لكن المكاتب العربية التي استشارتها الحكومة أجابت بأن مثل هذا الطموح سيصطدم بالمستحيل فلم نَهدِ كما جاء على لسان هذه المكاتب المسلمين ولن نقدر على ذلك أبدا؛ وقد هدّد بالسجن مسؤول المدرسة التعليم الديني، الرئيس الديري جيرارد، عندما أراد أن يجمع في مدرسته أيتاماً من الشارع، فحتى هذه المدرسة التي أسسها الأسقف "بافي" في سنة 1856 قد طالبت بعض

199 - Luis-Eugène Lovet، Les Missions Catholiques au 19° siècle، Société de Saint Augustin، Paris، [s.d]. p 265.

200 - Brébion، Op cit، p 37.

201 - Ibid، p 38.

202

-Ibid، p 38.