المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٧ولعل المتأمل في نشاط المؤسسة التنصيرية بالجزائر خلال فترة الاحتلال يتبين بأنها حاولت أن تكون أكثر حضوراً في الحياة الاجتماعية للفرد الجزائري نظراً لطبيعة الخدمات التي كانت تقدمها للمحتاجين والمستضعفين في المدن والقرى، مركزين خاصة على التطبيب والتعليم والغذاء المجاني، وهي من أهم الوسائل التي استطاع المنصرون أن يكسبوا بها وُدّ الأهالي، رغم الحساسية التي تفرض نفسها بقوة وهي وأنهم رجال دين مسيحيين يحاولون إيجاد موقع لهم في صلب مجتمع مسلم ومحافظ.
طريقتي في العمل:
كانت طريقة العمل في هذا الموضوع بداية باختيار الأنموذج وتحديد الحقبة الزمنية؛ أما الأنموذج فهو منطقتي مزاب والهقار للدراسة وذلك بتسليط الضوء على البدايات أو المنطلقات في هاتين المنطقتين الصحراويتن الهامتين، وتفادي التوسع المشتت للجهد، خاصة وأنَّ للموضوع كما لا يخفى امتدادات عديدة تتطلب الإحاطة بها؛ مركزاً على ما يندرج تحت نشاط المؤسسة التنصيرية خاصة وأنها ركزت على المنطقتين موضوع الدراسة؛ في حين تم تحديد الحقبة الزمنية بين 1868 و 1916 م، فخلال هذه الفترة تمكن المنصرون من وضع قدم لهم في مزاب بعد الاقتحام العسكري لها في سنة 1882 وذلك بعد فشل محاولاتهم السابقة بداية من سنة 1853 م، وبالنسبة للهقار كانت انتهاء بانعدام فرصة نجاح اقتحامها تماماً، باستثناء العمل الفردي للمنصر "دو فوكو" هنالك والذي توقف بعد مقتله في سنة 1916 إلى غاية ثلاثينات القرن الماضي.
وقد اعتمدت في دراستي على المصادر الأساسية التي تعود إلى تلك الحقبة النصف الثاني من القرن الثامن عشر) وبخاصة الوثائق والمراجع والكتابات التي تتصل مباشرة بالموضوع، ومنها: التقارير التي عاد بها الجغرافيون والمغامرون الذين زاروا المنطقة خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشرة، وكذا رسائل الكاردينال لافيجري التي أرسلها إلى البابا بروما وإلى المؤسسات الحكومية والتنصيرية داخل التراب الجزائري؛ وكذا ما أنتجته مؤسسة منصري إفريقيا" وسجلته في مجلتها Bulletin - Mission des press blanc".
الدراسات السابقة في الموضوع
تناولت خديجة بقطاش بالدراسة الحركة التبشيرية في الجزائر 1830 - 1871 وهي فترة عرفت فيها الجزائر بداية الاستعمار الفرنسي للجزائر وتوطين المعمرين وجهوداً ومحاولات تنصيرية حثيثة من طرف رجال الدين وبعض الرجال العسكريين الفرنسيين، وشهدت تنصيب أسقفين بالجزائر هما: "ديبيش" و"بافي"؛ وتنتهي هذه الدراسة سنة 1871 سنة اندلاع الثورات الشعبية العارمة في منطقة القبائل والشرق الجزائري، والتي كان من بين أسباب اندلاعها ذلك النشاط التبشيري المتزايد في القبائل منذ تولي "لافيجري" أسقفية الجزائر سنة 1867 وإعطائه فرصة كبيرة للعمل التبشيري خاصة بعد حدوث مجاعات 1868. أمَّا الباحث واعلي محمد الطاهر فقد درس التعليم التبشيري في الجزائر بين سنة 1830 وسنة 1904، وركز على أحد أهم النشاطات والوسائل الرئيسية التي اعتمد عليها المنصّرون وهي التعليم التنصيري، وهي من بين النشاطات ذات الخطورة الفائقة بمكان، إذ يحتك المنصر فيها بشريحة الأطفال الذين سيكونون خير سند للاستعمار وقاعدةً