المؤسسة التنصيرية في الصحراء، مزاب والأهقار- غير مفهرس
الجزء ١ · صفحة ٩٣سخرهم هذا الأخير لمجابهة القُطب في جهاده الإصلاح، وسلك القطب رحمه الله_ نهج الصالحين العاملين في جهاده الإسلامي، إلا أن الوصول إلى هذا الطريق الإصلاحي لم يكن بالأمر الهين، نظراً إلى سعي معارضيه الذين حاربوه وضايقوه في جهاده، فطالما استفزوه في إصلاحه ليلاً ونهاراً، فشعر بأن دائرة السوء تسعى بكل قواها كي تحطمه وتنهي نهضته الإصلاحية في مهدها، كما بين ذلك في رسالة بعثها إلى بعض إخوانه العُمانيين قائلا: "فسلام على الشيخ العالم عبد الله بن حميد والشيخ الفهامة عيسى بن صالح الفارسي من كاتبه أمحمد بن الحاج يوسف، أعذرني يا أخي في تأخير الجواب بعض التأخر وما ذلك إلا لأهوال عظام من النصارى ومن أهل بلدي .. "،430؛ فلا شك أن المجتمعات البشرية لا ولن تخلو من الصراع بين رجال الفضيلة ورجال الرذيلة وبين أهل الحق وأهل
الباطل، إلا أن عزيمة الصادقين هي من يكون لها الغلبة في النهاية لأن الباطل ساعة والحق إلى قيام الساعة. ومن أهم وسائل الاحتلال التي يستعملها الاستعمار الحديث والتي استعملتها فرنسا أيضا هو موضوع الاستشراق أو دراسة المجتمعات المشرقية بعيون غربية ومحاولة الدخول إلى دواخلها وفهم ما يحتويها، وعلى ما هي مبنية عليه ليتمكن من بعدها المستعمر من التصرف في تلك الآليات الاجتماعية وتفكيكها وإعادة بنائها وفق ما يتماشى معه وهويته الجديدة بعيدا عن هويتها الأصلية.
وعلى هذه الشاكلة جاء مع الحملة الفرنسية على الجزائر في عام 1830 إضافة إلى الجنود المسلحين مجموعة من المترجمين والعلماء والأدباء .. ، فلما تم توقيع معاهدة الاستسلام شرع كل في المهمة التي جاء من أجلها؛ وكذلك فتحت هذه المجموعة من المستشرقين الطريق تمهيدا لاحتلال النهائي لمزاب فقد كانت أهم الزيارات هي زيارة المستشرق إميل ماسكوري (Emile Masquery) في سنة 1296 هـ / 1878 م محاولا الحصول على بعض الكتابات التي تفيده في معرفة هذه المنطقة، وتحصل منها بعد عناء على سير أبي زكرياء الذي ترجمه إلى الفرنسية ولم يجد فيه ما يفيد في التعريف بهذه المنطقة وقد قدم للترجمة بنص طويل شرح فيه الظروف والملابسات التي اعترضت سبيله وجفاء الشيوخ اتجاهها؛ وكان أبرز من التقى بهم خلال زيارته إلى هناك الشيخ أطفيش الله،، وقد طلب منه بعض المعلومات عن المنطقة وتاريخها فكتب له رسالة سماها "رسالة مختصرة "432، سلّم له ما حضر عنده من مجموع المعلومات، يظهر فيها أنَّ الشيخ رحمه الله كان يكتب وكله إدراك بذهنية من يكتب له وخلفياته فجاءت معلوماته مرتبة على نحو يتماشى مع ما كان يريده.
رحمه
ويقع مؤلفه المسمى "رسالة مختصرة" في بعض تواريخ مزاب في خمسة عشرة بابا، عبارة عن مجموعة من
لمحة
المعلومات والحوادث التاريخية، تناولت حقبا زمنية متنوعة وأماكن مختلفة تفتقد إلى التنسيق والترتيب، وهي مختصرة تناولت مواضيع مختلفة في مساحة ضيقة؛ هذا راجع إلى أسلوب الشيخ أطفيش الذي لا يُلزم نفسه التقيد
- عدون جهلان، المرجع السابق، ص: 38.
430
431 - Nawaw، Yahya ibn Saraf al- (1233 - 1277). Chronique d'Abou Zakaria. Traduite & commenté par Emile Masqueray، Impimerie de l'Association ouvrière v/ Aillaud، Alger، 1878.
432 - Pierre Cuperly، Aperçu sur l'histoire de l'Ibadisme au m?zab، Al-risala i-safiya fi ba'd tawarkh ahl wadi mizab de Med atfayyas.[s.d.i]، [s.l.i].