تاريخ عمان السياسي لعبدالله بن محمد الطائي
الجزء ١ · صفحة ٦٤بحصنه في جبرين، و لا أستبعد أن يكون الحال كثورة بغداد على المأمون عندما إختار مرة عاصمة له، و كان سيف شخصية قوية بحيث إستطاع أن يرهب أعيان البلاد و يرغمهم على تأييده، كما إستطاع أن يكسب تأييد كل المقاطعات عدا مدينة جبرين أو (يبرين)، فإتجه إليها و أخذ يقصفها بالمدافع و أخوه الإمام صابر في حصنه، و لكن الله إختار بلعرب فتوفى فجأة، و أقبل رجال الحصن إلى سيف ينبئونه بوفاة أخيه فإتهمهم بقتله، و لكنهم أقسموا و طلبوا من سيف أن يفحص جثة الإمام ليتأكد من عدم وجود أثر يدل على ذلك، فذهب سيف إلى الحصن و غسل أخاه و كفنه و دفنه داخل الحصن و ذلك عام 1104 هـ بعد أن حكم ثلاثة عشر عاما.
و كانت في جبرين إمرأة عالمة تسمى الشيخة بنت راشد، وقفت في وجه سيف تحذره من عدم ممارسته سلطة الإمامة، و الغريب أن سيف الذي قاوم أخاه و أجبر كل من خالفه على الإعتراف بإماميته عجز عن الوقوف في وجه هذه المرأة، فذهب إليها يجادلها في ذلك، و لكنها أصرت و جمعت علماء جبرين، وكاد علماء الدين خاصة أن يرجعوا عن مبايعة سيف بل أنهم أعلنوا أن إنتخابه السابق باطل و لابد من إنتخاب إمام جديد.
و أخذت بنت راشد على عهدتها مهمة حل المشكلة، فدعت العلماء و الأعيان الذين إجتمعوا في جبرين و شاورتهم في الأمر بعد أن تركت سيفا يتخلى عن الإمامة يومين ثم دعته إلى مجلس العلماء و عقد عليه المجتمعون الإمامة من جديد.
و لم يكن لسيف أن يتقبل هذا الإنتظار بعد أن حاصر أخاه و إحتل بعض الحصون بالقوة، و لكن قوة العقيدة في أنه يجب أن يعقد له عقد الإمامة و أن لا يخرج عن رأي الجمهور جعله يتخلى وقتا قصيرا ريثما يتم حوله إتفاق و هذا ما حدث.
و المؤرخ ينظر إلى هذه الفترة و قد ملأ عينه بأحداث الماضي التي حرمت البلاد من الإستقرار، فيرى حكم بلعرب واحة يستظل بها نشء الجهاد ضد المستعمر البرتغالي، فيتعلمون و يزرعون و يبنون، و أعتقد أنه لو إمتد حكم بلعرب لشهدت عمان نهضة علمية كبيرة، و لكن مجيء سيف جعلهم حملة رسالة النور إلى أفريقية و حرمهم من التمتع بالإستقلال البناء في أرض الوطن.