توضيح المراد من معاني الاجتهاد
الجزء ١ · صفحة ٣٥1
2
ومما استدلوا به على تصويب جميع المجتهدين: ما حكاه الله – عز وجل – في كتابه العزيز من حكم
1"
داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، فقال الله في ذلك:" وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث " إلى أن قال " ففهمناها سليمان " فمدحه الله بحسن إصابته، ولم يعنف داود في ذلك، فدل أنه مصيب وأن سليمان أحسن منه إصابة، لأنه مدحهما معا بقوله: " وكلا آتينا حكما وعلما … " وفي الآية دليل على أن حسن الإصابة يتفاوت بتفاوت قوة الفهم كما هو ظاهر.
واعترض في هذا المقام بما حاصله أن الآية لا تدل على ذلك، بل على إصابة أحدهما، إذ لم يخص
داود فيها بشيء كما خص سليمان. وبسط ذلك الاحتجاج عليه لا يناسب هذا المقام.
211
ومما استدلوا به على إصابة جميع المجتهدين: قوله - صلى الله عليه وسلم -:" أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم فلم يخص أحدا، فدل على أن جميع اجتهاداتهم حق لا ريب فيه، ولو كان شيء من أقوالهم خطأ لأشار إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
واعترض بأنه لا يدل على صواب جميعهم، لأن ذلك أمر، مظنون لأن الأصل عدم الإصابة – والحق في ذلك ما قدمناه – والجواب على الاعتراض ظاهر لفظ الحديث" إلا ما تبين خطأه" وأما قولهم: لو كان كل واحد مصيبا لجاز اجتماع النقيضين، وهو أن يكون المجتهد ظانا للحكم من حيث أن دليله ظني، قاطعا بثبوته من حيث الإجماع على وجوب عمله به، فيكون ظانا قاطعا بثبوته، والظن والقطع نقيضان حيث يتعلقان بمتعلق واحد، لأن الظن يصحب التجويز، فيكون مجوزا غير مجوز، وهذان نقيضان لا يجتمعان.4
وأجيب بأن متعلق القطع والظن متغايران لا يلزم منهما اجتماع النقيضين وبيان ذلك أن الظن متعلق بأن الحكم مشروع، وأن القطع متعلق بلزوم العمل بما ظن أنه مشروع قال الإمام السالمي – رحمه الله – لا يقال إنه متى قطع بأن الحكم مشروع في حقه انتفى الظن بأنه مشروع.
5 انتهى
سورة الأنبياء 78 - 79
فتح الباري ج 57/ 4، البيهقي في " المدخل" رقم 152، الديلمي في " الفردوس" ج 4/ 75، الخطيب في " الكفاية" 48، الزركشي في
"1
المعتبر " 83
3 لم أجده. طلعة الشمس ج 2/ 410
4
5
المرجع السابق ج 2/ 411
34
324