توضيح المراد من معاني الاجتهاد لسالم بن حمود السيابي: تحقيق اللمكي، زكريا بن سليمان بن عبد الله

توضيح المراد من معاني الاجتهاد

الجزء ١ · صفحة ٥٨

الأثر غير حق، بل من الواجب النظر فيه، فإذا عرف الحق عمل به، وإذا عرف منه الباطل تباعد عنه، لأن الله عز وجل لم يأمر عباده باتباع الباطل، وإنما تعبدهم بالحق الواضح من الدليل الراجح، وعلى من لم يعرف الحق لم يقدم، وإلا فقد غرر بنفسه، وجنى عليها، ولولا ذلك لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما فاعرضوه على كتاب الله" ولم يقل خذوه من غير نظر ولا روية، إنما أمر بالعرض على الكتاب نفيا للتقليد، وردا للباطل، ولو لم يكن كذلك لجاز لنا أن نأخذ بكل ما جاءنا عن الرسول عليه الصلاة والسلام.

أتاكم عني

وقال الإمام: " واعلم أنه يجب على المقلد – بكسر اللام – البحث عن حالة المفتي في الصلاحية للفتوى وهل هو جامع للاجتهاد والعدالة أم لا؟ "2

وقيل: لا يلزمه ذلك إذ لا طريق له لتحقيقه كما لا يلزمه البحث عن وجه

الحكم.

واعترض: بأنه إن لم يبحث عن حال المفتي لا يأمن فسقه تصريحا أو تأويلا، أو جهله بعلوم الاجتهاد أو بعضها، فلا يصلح للفتوى، فيكون تقليده إقداما على ما لا يؤمن قبحه. ويكفيه في ذلك سؤال من يثق بخبره، ويكفيه أيضا أن يرى استفتاء الناس إياه معظمين له آخذين بقوله 3. انتهى.

قلت: لأن توجههم إليه في الاستفتاء، وإقبالهم عليه في قبول فتواه، وأخذهم عنه، شهرة قاضية بصلاحيته، لأن الناس لا تجتمع على ضلال، فلا يجب عليه البحث، وإلا ضاق الواسع على الناس فيما إذا كان يلزمهم كلما أرادوا استفتاء شيخ من شيوخ العلم يكلفون أولا بالبحث عن صلاحيته، وقد لا يقفون عليها إلا بعد العناء الشديد والضيق البعيد.

عنه -

لأن مدارج العلم لا يميزها إلا أهل العلم، فهم يطلبون من يبين لهم درجة من يستفتونه أم درجة المخبر - إني أرى هذا أمرا شاقا - وإن كان التكليف أصله مبني على ما يشق – كما أشارت على هذا المعنى عدة أحاديث، ولكن الظن الظاهر من أحوال المستفتين بأنهم لا يستفتون إلا أهل العلم – وإن كان لا عبرة بعوام الناس – فإنهم قد يستفتون غير عالم لجهلهم بحقيقة العالم، ولا غرابة في هذا – وأراني أميل إليه، اللهم إلا في قطر غلبت فيه شوكة العدل، وقامت فيه دولة الحق، وخمد فيه الباطل، فهنا يظهر أن لا مفتي إلا من

1

2

3

مسند الإمام الربيع بن حبيب ص 17/ رقم 40 جامع بيان العلم لابن عبد البر ج 2/ 1191. الطلعة ج 431/ 2، عزاه صاحب الدرر اللوامع إلى الإمام أحمد وابن سريج، ص 609.

المرجع السابق في نفس الموضع.

57