توضيح المراد من معاني الاجتهاد
الجزء ١ · صفحة ٦٤عداهم من العلماء الأعلام الذين يعتد بهم في مثل هذا المقام، لم نقل بصحته، ولا نعتمد عليه في هذا السبيل
الذي نحن بصدده، إذ كان منهم إجماعا على عدم اشتراطه أو القول به.
أما قياسهم المقلد على المجتهد فلا يسوغ لوجود الفارق، وإذا وجد الفارق بين المقيس والمقيس عليه بطل القياس، وذلك أن المجتهد إذا تبين له الراجح منع من العدول عنه لكونه حكم الله في حقه، فعدوله عنه عدول عن الحق، ولا يصح ذلك قطعا، ألا ترى أن الراجح يجب الأخذ به، ويجب ترك المرجوح، وإلا كان عدولا من الواضح إلى المشكل ومن الحق إلى غيره، وحال المقلد بخلاف ذلك فإن أخذه بقول العالم ليس طريقا إلى معرفة الراجح، وإنما هو اختيار منه لكون جميع أقوال المجتهدين صوابا فحاله بعد التقليد كحاله قبل التقليد من غير فارق، وإنما يمنع أصحابنا رضي الله عنهم الانتقال من مذهب لمذهب لمجرد التشهي والحظوظ العاجلة، لأن ذلك يؤدي إلى الانهماك في الرخص، وعدم المبالاة بالديانة"، والاستخفاف بحقوق الشريعة المطهرة، ألا ترى أن أصحابنا رحمهم الله ورضي عنهم منعوا إفتاء طالب الرخصة قبل الوقوع فيها، فإذا وقع فيها، ولجأ إليهم في استدراكه من ذلك بذلوها له، كل ذلك صيانة منهم للدين، وحسم منهم لتساهل الطالبين، ودفع لمواد المشتهين، وأخذ بالحزم في أمور الدين، ورغبة في النجاة للمؤمنين.
أما تقليد العامي لعالمين فصاعدا في حادثة
مع اختلاف الأقوال فهو أمر متناقض، إذ هو على صحة
من مذهب أحد العالمين أو العلماء على باطل من الآخر، وهكذا فهل يقول بهذا قائل في الدين؟
نعم قال بذلك بعض متفقهة قومنا، فهم يقلدون أبا حنيفة في أشياء يبطلها الشافعي، وهكذا، ولا يبالون فيأخذون ما شاءوا من هذا المذهب وما شاءوا من ذلك، فلا يقفون عند حد، ولا يلتزمون مذهبا، فما طاب لهم أخذوه، وما لم يطب التمسوه من الآخر، وهم يقولون مع ذلك بأنهم على صواب في سبيلهم هذا، ويتعللون بأن اختلاف الأمة رحمة، وأين هم من هذا المرام؟
ولا ريب أن مذهبنا بحمد الله سالم من مثل ذلك، ولسنا للتناقض نرتضي، بل الحق أحق أن يتبع، وما
بعد الحق إلا الضلال، هذا ما هنا عندنا في هذا المقام وسبيل الإيجاز مشروط في كتابنا هذا، ولا سبيل إلى التطويل، فإن من أراد التوسع في قواعد الفن فعليه بالعدل والانصاف وأمثاله من كتب أعلام المذهب والله
الموفق لرضاه.
63
المرجع السابق ص 437
1