ضوابط اجتهاد العوام القطوفي، محمد بن البشير

ضوابط اجتهاد العوام

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

المبحث الرابع: ترجيح العامي بالنظر في الدليل

قد تكلمنا في المباحث الماضية عن حكم تلقي العامي للدليل وبينا أراء العلماء، وفي هذا المطل ننظر هل يكون الدليل معيار في ترجيح الحكم. عند العامي؟ ويختلف أيضا هذا المطلب عن المطالب السابقة في كيفية ترجيح العامي للحكم أن الداعي للكتابة هنا هو انتشار فكرة اتباع الدليل بين أوساط العوام على نطاق واسع، مع قلة من كتب فيها من الفقهاء والأصوليين، أما المعايير السابقة فهي مقررة في كتب الأصول من قديم. ومن ناحية أخرى إن إطلاع العامي على دليلين في ذات الوقت قليل الوقوع في حياته عموما مما يضعف من قيمة هذا المعيار بخلاف طالب العلم والفقيه. لكن الذي يحصل أن العامي مثلا يطلع على دليلين متباعدين زمانيا أو أن يتلقى حكما بدليله وحكما آخر له دليل لم يطلع عليه.

المطلب الأول: دعوة العامي لاتباع الدليل عند اختلاف العلماء من نوازل هذا

نتبع

العصر من خلال البحث والاستقراء لاحظت أن دعوة العوام إلى اتباع الدليل عند اختلاف العلماء في المسائل الجزئية لم يتبناها أغلب العلماء السابقون أو عند الأصوليين ومن بعدهم إلا نادرا، ولابد أن نؤكد هنا أن الكلام على الأحكام الجزئية لا قاعدة عام أن علينا أن الكتاب والسنة فهذا لا ينفيه عاقل مؤمن، وكذلك الكلام هنا على العوام لا على طلبة العلم أو الفقهاء المجتهدين وهذا فرق غاية في الأهمية. والسبب الرئيس الذي أدى إلى الخلط في هذا الموضوع هو عدم التفريق بين هذه الطبقات الثلاث وتنزيل الكلام الموجه للفقهاء وطلبة العلم على العوام ومن يقرأ في هذا الفصل سيلاحظ ذلك جليا. ولظهور هذه الدعوة في واقعنا المعاصر أسباب كثيرة منها التعصب المقيت للمشايخ الذي أنتج ردة فعل مثل هذه. كذلك الفهم السطحي والضيق لمعني الدليل أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم فقط. والفهم الجزئي أي أن ينظر في الدليل منفردا عن باقي الأدلة وكأنه أهمل بابا واسعا في الأصول وهو باب التعارض بين الأدلة. ويوجد سبب آخر تاريخي، أن العوام لم يكن لهم اطلاع على الأدلة، فقد كانت محفوظة في صدور العلماء ثم حتى بعد التدوين لم يكن لها انتشار في أوساط العامة حتى ظهرت هذه الثورة المعلوماتية، مما جعل العامي اطلاع واسع على الأدلة فاستطاع بذلك بعض العلماء أن يدعوا بهذه الدعوة.

له

101