ضوابط اجتهاد العوام القطوفي، محمد بن البشير

ضوابط اجتهاد العوام

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

لا كالرأي الأول.

وهم

قطعا ليسوا ضد الدعوة إلى اتباع الدليل فهذا يتفق عليه كل الفقهاء لكنهم اختلفوا في إلزام العامي باتباع الدليل عند تعارض الاحكام. وبيّن الشاطبي أن هذا الأمر لا يستطيعه العامي لعدم أهليته ولو أراد ذلك قال: "والعامي - في عامة أحواله - لا يدري من الذي دليله أقوى من المختلفين والذي دليله أضعف، ولا يعلم هل تساوت أدلتهم أو تقاربت أم لا، لأن هذا لا يعرفه إلا من كان أهلا للنظر، وليس العامي كذلك "631،، وقال في موضع آخر كلاما جميلا يبين فيه أن هذا الأمر يوقع العامي في حرج فضلا أنه لا يمكن أن يكون ضابطا للعامي للخروج من خلاف الفقهاء قال" فتساوي الأدلة أو تقاربها أمر إضافي بالنسبة إلى أنظار المجتهدين فرب دليلين يكونان عند بعض متساويين أو متقاربين، ولا يكونان كذلك عند بعض، فلا يتحصل للعامي ضابط يرجع إليه فيما يجتنبه من الخلاف مما لا يجتنبه .... فلا يزال العامي في حيرة إن اتبع هذه الأمور، وهو شديد جدا، ومن يشاد هذا الدين يغلبه

نخلص من

هذا أن إلزام العامي بالنظر في الدليل إلزام بشيء محال.

المطلب الرابع: القول المختار في ترجيح العامي بالنظر في الدليل

63211

يظهر من خلال القولين السابقين أنه لا يوجد تعارض حقيقي فكلهم متفقون على وجوب اتباع الكتاب والسنة إجمالا، وكذلك على العامي أن يسأل أهل العلم وأن لا يستقل باستنباط الأحكام بنفسه، والأهم من كل هذا أن العامي في حالة إذا تعارض عليه دليلان فاقتنع بأحد أقوال الفقهاء أنه حكم الله في هذه المسألة عليه الالتزام بها ولو كان يعمل بخلافه. لكن هنا لا يفوتنا التنبيه على شيء مهم لابد أن يراعيه العامي عند مباشرته للاستفتاء أن بعض المفتين أولا لا يحترمون آراء الفقهاء المعتبرين ويسفهونها ويرمونها بالبدعة ثم لا يراعون وضع العامي ويربكونه ويجعلونه في حيرة ويمارسون عليه ضغطا نفسيا بجعله مثلا كمن يشاقق الله والرسول ويخالفهما، وكأن هذا المفتي جعل رأيه في مقام الله ورسوله، وهذا تعصب مقيت لأن العامي متبع لله ورسوله لكن ليس على رأي ذلك المفتي، مثال ذلك إذا قلد العامي الإمام مالك في مسألة ولا يعرف دليلها ثم يأتيه مفت من مذهب آخر فيفتيه بعكسها ويكون مقترنا بدليل جزئي وربما كان قولا شاذا أو مخالفا للجمهور أو ليس عليه العمل أو قال به أحد المعاصرين ممن لم يبلغ درجة الاجتهاد ولسان حاله يقول أن هذا العالم من السلف والإمام مالك من الخلف، فلا يلزم العامي في هذه

162

الشاطبي، الموافقات ج 1 ص 164

الشاطبي، الموافقات ج 2 ص 165

631

632