ضوابط اجتهاد العوام القطوفي، محمد بن البشير

ضوابط اجتهاد العوام

الجزء ١ · صفحة ٩٧

الأمر الأول: ضوابط تلقى العامي من فعل المجتهد

ذهب الشاطبي وابن حامد 360 والمرداوي وابن تيمية إلى جواز التلقي من فعل المجتهد، بناءً على حث الشارع للناس أن تكون أقوالهم مطابقة لأفعالهم، قال تعالى: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها﴾ [الأعراف: ??]. وقوله: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود: ??]. وقوله: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ الآية [البقرة: 44]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف ?-?] وهذه الأيات تدل كما نص على ذلك الشاطبي361 على ذم الفاعل بخلاف ما يقول وأن مخالفة القول الفعل تقتضي كذب القول ولا شك أن الخطاب موجه إلى جميع المكلفين وكما هو معلوم فإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر دليلا شرعيا والسنة طافحة بهذا نصا واستدلالا. كذلك الإمام مالك قد اعتبر عمل أهل المدينة دليلا شرعيا مقدما حتى على الحديث الصحيح لأنه بقوة المتواتر عنده مع أنه عمل وليس قول 362 فهذا كله يدل صراحة على التلقي من الفعل وسنورد الآن ما احتج به أصحاب هذا الرأي:

بما أن العلماء ورثة الأنبياء فإن الإمام الشاطبي نص على قبول الحكم من فعل المفتي حيث قال: "وإذا كان كذلك، وثبت للمفتي أنه قائم مقام النبي ونائب منابه لزم من ذلك أن أفعاله محل للاقتداء أيضا، فما قصد بها البيان والإعلام، فظاهر، وما لم يقصد به ذلك، فالحكم فيه

36311

كذلك " وعلل ذلك الشاطبي بأن المفتي وارث وقد كان المورث قدوة بقوله وفعله مطلقا فكذلك الوارث، وإلا لم يكن وارثا على الحقيقة فلا بد من أن تنتصب أفعاله مقتدى بها كما انتصبت أقواله. كذلك أن التأسي بالأفعال سر مبثوث في طباع البشر، لا يقدرون على الانفكاك عنه بوجه ولا بحال، لا سيما عند الاعتياد والتكرار

364

360

شيخ الحنابلة، ومفتيهم، أبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان البغدادي الوراق، ت403هـ)، مصنف كتاب الجامع في عشرين مجلدا في الاختلاف الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج??ص??.

361

الشاطبي، الموافقات، ج 5 ص ???. قد بحث الشاطبي هذا الموضوع بحثا جيدا يحسن الرجوع إليه. 362 هذا لا يتعارض مع ما أوردناه أولا أن الفعل أضعف من القول لأن هذا باعتبار الفرد والآخر باعتبار المجموعة فاذا اختلفت

الاعتبارات فلا تعارض

303

الشاطبي، الموافقات، ج 5، ص 262.

364 يمكن أن يعترض بفعل إمام دار الهجرة الذي حكاه مطرف عنه في هذا المعنى أنه قال: "كان مالك يستعمل في نفسه ما

لا يفتي به الناس"، يعني: العوام، ويقول: "لا يكون العالم عالما حتى يكون كذلك وحتى يحتاط لنفسه بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم".

??