غض البصر وأثره في استقامة السلوك
الجزء ١ · صفحة ٢٧M
بة العلق
تخليص القلب من ألم الحسرة، فإن من أطلق نظره دامت حسرته، فأضر شيء على القلب ارسال البصر، فإنه يريه ما يشتد طلبه، ولا صبر له عنه، ولا وصول له إليه، وذلك غاية ألمه وعذابه، قال الأصمعي: رأيت جارية في الطواف كأنها مهاة، فجعلت أنظر إليها وأملأ عيني
من محاسنها فقالت لي: يا هذا ما شأنك؟ قلت وما عليك من النظر؟ فأنشأت تقول: وكنت متى أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبت المناظ
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
والنظرة تفعل في القلب ما يفعله السهم في الرمية فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه
وكما قيل:
كل الحوادث مبدأها من
النظ
ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام. ذا عين يقلبهـ
يسر
مقلته ما ضر مهجتـ
في أعين الغيد موقوف على خطر
لا مرحبا بسرور عاد بالضـ
ـور
قلبه
والناظر يرمي من نظره بسهام غرضها قلبه وهو لا يشعر، فهو إنما يرمي
وقال الفرزدق:
تزود منها نظرة لم تدع له فؤادا ولم يشعر بما قد تزودا فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا بغير سلاح مثلها حين أقصدا
الفائدة الثانية:
أنه
يورث القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، كما أن إطلاق البصر يورثه
ظلمة في وجهه وجوارحه.
وجاء في الحديث (النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره عن محاسن امرأة
أورث الله قلبه نورا)
34
34 أخرجه الحاكم 314/4، والقضاعي في (مسند الشهاب) 195/1، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب بن دثار عن صلة بن زفر عن حذيفة، وقال الحاكم: صحيح، وتعقبه الذهبي بقوله: إسحاق بن عبد الواحد واه، وعبد الرحمن الواسطي ضعفوه. اهـ.