النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني
الجزء ١ · صفحة ٢٠هذا
ليست الموسيقى هنا وحدها، ولا الجملة المقتضبة السريعة المتواترة التي تأتي على لسان البطل - الشاعر -، ولا التفعيلة المتكررة بإيقاع واحد ومتساو بل كل ذلك معاف فضلاً عن السجع الذي هو يعطي «المونولوغ» قوته الدرامية، ويجعل المشهد وربما الحوار المسموع الدائر بين الشاعر وجمهوره، والصلة بين المنطوق، والمرسوم، كل هذه العناصر تتناغم بشكل مذهل، الشيء الذي يؤكد ما ذهب اليه «باكثير» عن خصوصية هذا البحر الذي يستخدمه النبهاني بشكل عبقري
وذهب بعض النقاد الى ابعد من ذلك، حين حاولوا الربط العضوي بين الاوزان والبحور وطول المقاطع الصوتية فيها، وبين الحالة النفسية للشاعر والتي غالبا ما تؤثر على نبض القلب ونظم التنفس وما يتفق من كل ذلك او يختلف مع اغراض الشعر المتباينة. (9).
باختصار، لقد استطاع الشاعر سليمان النبهاني ان يجمع ببراعة متناهية بين الغرض والبحر والقافية والتنويع الذي طرقه على هذا الصعيد ينبيء عن شاعرية لا مجال لإنكارها. فضلاً عن قدرة لغوية مذهلة وحس موسيقي واضح، وهي بعض ادوات الشاعر العظيم مثله.
لقد عشت ستة اشهر كاملة مع «النبهاني» وكان ديوانه خلالها رفيقي الدائم. كنت اقرأ واعيد واتمثل واعلق على الحواشي والهوامش وحاولت استرجاع وتقمص سيرة وحياة هذا الشاعر الفارس وتخيلها. لم اكن املك المصادر التاريخية او الادبية التي تضعني امامه وجها لوجه. كنت لا املك سوى النص - القصيدة -.
والكتابة عن النص بمعزل عن سياقه التاريخي، وبمعزل عن المعرفة الكاملة لسمات الزمن والظروف الاجتماعية والاقتصادية والعقلية والعقائدية التي عاشها الشاعر، لن تفضي الى مقولات نقدية موضوعية، بل تقود الى
18