النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني
الجزء ١ · صفحة ٢٣يذكر ابن مُناذر فضل «جرير» في الهزل والجد ويذكر ابياتا كثيرة للاثنين.
(14)
ويقول ابو تمام الطائي: لأبي العتاهية خمسة ابيات ما يشركه فيها احد ولا قدر على مثلها متقدم ولا متأخر. (15).
وهكذا تتوالى الحكاية المدرسية. وتمتلئ بها كتب الاخباريين. وتتشابك في هذه الحكايات خطوط النقد والتقييم ومكان الصدارة في سلم هذا التقييم يحتله عشرات الشعراء. بيت واحد من الشعر يرفع الشاعر الى السماء السابعة «الاحوص» مثلاً يصبح السيد المطلق على عرش النسيب» ببيتين من الشعر يرويهما «جرير» وبيتين يرويهما «الفرزدق» (16).
من الواضح ان المزاج النقدي هو الذي يتحكم بالمسألة والذائقة الشعرية التي لا تستند الى اساس موضوعي هي التي تتولى اصدار الاحكام القاطعة. كان يكفيني اذن ان اعكف على دراسة قصيدة واحدة «للنبهاني» لاقترح احكاما نقدية مقبولة، وليس بعدة ابيات من الشعر، لتصنيف الشاعر وتحديد طبقته كما كان يفعل القدامى!!
لماذا كانت قصيدة واحدة تكفي؟؟
إن بناء القصيدة الواحدة - مع التحفظ على استثناءات قليلة - عند «النبهاني» يكاد يخضع لنسق واحد يتكرر بشكل متطابق، وهو لا يخترع او يبتدع هذا النسق بل يأخذه كما هو وكما تحدّر من موروثنا الجاهلي.
وهو اتباعي حتى العظم في هذه المسالة. قصيدته تبدأ بالوقوف على الاطلال وكيف استحال ودرس بعد رحيل الحي. ثم يدلف إلى عالم التذكر والشوق والحب وايام اللهو متوسلاً محاسن المرأة ومفردات جمالها للتعبير عن صباباته. وكل ما يحيط بهذا الاسترجاع من ظلال العواطف السرور والكمد والاماني والارق والصبر
21