النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني
الجزء ١ · صفحة ٥٢وهب الشاعر ونهب واذا بالحالة الأولى، تتحول القفار الى رياض، ومرة اخرى يحوّل المرابع المأنوسة الى بلاقع خالية. وكما يعيد يوشع الشمس من مغيبها إلى مشرقها يعيد كرمه الكرم الى الحياة، وهو الذي يقف الموت في حضرته وجلاً خائفاً، ولم لا وهو الذي اذا لمس ذروة جبل يذبل» بأصابع العزم لتصدّع.
ولعل أشهر شاعر شبه نفسه بالموت هو «عنترة العبسي الذي قال: إن المنية لو تمثل مثلث مثلي. ..... » ويعتبر شوقي ضيف ابيات هذه سل القصيدة مثالاً رائعاً للقدرة على تصوير الجرأة والشجاعة. (46)
يقول عنترة بأن الموت لو تجسّد في شخص لكان هو ذلك الشخص.
ولكن الصورة نفسها تصبح عند النبهانيو شيئاً آخر. المجاز فيها يمنحها فاعلية تتجاوز الالفاظ، وتصبح الصورة عنده أكثر إشراقاً وتعبيراً حين يقول بأن المنيّة يتلبسها الذعر في حضرته وفي البيت ابداع وتجديد داخل دارة التقليد والابتداع التي التزمها النبهاني هو هكذا دائما حين يعيد بناء وخلق عالمه الشعري من مادته الاولى جاهلية كانت ام أموية او عباسية.
إنه باقتدار يعيد تشكيل المادة الاولية ببراعة تتجاوز كل الحدود.
وفي تاريخنا الادبي يعارض شاعر لاحق شاعراً سبقه والمعارضة في معايير النقد المقارن محكاً حقيقياً للموهبة وطول الباع والمقدرة والشاعرية الفذة وآخر الشعراء الجاهليين في عصرنا هو «البارودي» شيخ شعراء النهضة. لقد رأى ان هدف الشعر هو معارضة الفحول الاقدمين ومباراتهم بالنسج على منوالهم وعدم التقصير عن مداهم» (47). لذلك عارض «البارودي» رائية ابي نواس والشريف الرضي والنابغة كما عارض قصيدة لأبي فراس الحمداني. ومعارضة قصيدة مشهورة لشاعر كبير تظل مجازفة محفوفة بالمخاطر وتنم عن ثقة كبيرة بالنفس ويدخل
50