النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني

النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني

الجزء ١ · صفحة ٥٣

«النبهاني هذه التجربة غير هيّاب منها في معارضته لأبي العلاء المعري. حيث يعارضه النبهاني قائلاً:

154 ألا في سبيل المجدِ ما انا صانع نفوع ومُعط ومانعُ 1 155 وإني ذو طعمين شهد يشوبه رحيق وسُم دونه السم ناقعُ 14 155 محلي مقصود وجاري آمن وجودي هطال وظلي واسع 16 156 فما أخطأتني منذ كنتُ محامد ولا دنستني من نشأت المطامع 29 157 إذا رضيت نفسي على النجم منزلاً وقرت به عيني فإني لقانع 33 158 بنا ثبت الله البلاد واهلها كما ثبتت في الراحتين الاصابع 41 يركب «النبهاني» بمعارضته لقصيدة أبي العلاء» مركباً صعباً ولكنه يثبت في ميدان الشعر كنخلة عريقة. فأبياتها تنساب انسياباً يرشح من مفاصلها النغم، سهلة وبليغة، والصور فيها مندغمة عضوياً ببنية الأبيات وصميمها لا طارئة عليها، فهو المطر في جوده وهو شجرة فارعة ظلها واسع للخائف والمذعور والفقير والمتعثر، وهو الشهد والرحيق والسم الناقع معاً، كأنه يستدير ليؤكد ما جاء في مطلع القصيدة من ازدواجية في التعامل مع الخير والشر في هذا العالم، وقانون الثنائية الذي يحكمه. فهو «نفوع وضرار» و «معط ومانع». وجسده سيقنع بالسكن فوق النجوم إذا ما قبلت نفسه ذلك، وبفضله يتاخى الوطن والشعب ويتحدان اتحاد الراحات بالاصابع. وقصارى ما يمكن قوله عن «حماسة» النبهاني وشعره في هذا الباب ما سبق للبارودي ان قاله عن الشعر العظيم لو لم يكن من حسنات الشعر الحكيم الا تهذيب النفوس وتدريب الافهام وتنبيه الخواطر إلى مكارم الاخلاق، لكان قد بلغ الغاية التي ليس وراءها لذي رغبة مسرح، وارتبأ الصهوة التي ليس دونها لذي همة مطمح» (48).

51