النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني
الجزء ١ · صفحة ٦٩تخونه في تكرار الهاء المتحركة «فيه تراه». حرفٌ جوفي يخرج من اقصى الحلق، ينهك الرئة حين النطق ويستخرج ما بها من هواء، فينقطع النفس بعد الالقاء، ويكل الايقاع وتهبط موسيقى البيت للحضيض. ومهما فتشنا لا نجد للشعر اثراً في هذا البيت!!
اما «النبهاني» فيتجاوزه كثيراً في بيته الجميل والرائع.
في صدر البيت يقدم لنا «النبهاني» صورةً مزدوجة نفسية وحسّية لتلك المرأة. فهي ضحوك ولعوب ومغناج وتلك خصيصة نفسية عميقة تلائم تماماً لابسة الخلخال وهي بانتقائها لزينتها تريد ان تجسد لنا سماتها النفسية الداخلية، ومفتاح تلك السمات: المرح. وهي فضلاً عن ذلك ناعمة وشابة صغيرة، وهي ممتلئة الردفين والساقين.
واجمل ما في البيت ان ذلك الخلخال، وقد تنعم بكل هذه الصفات، خرج عن اصله وهو الجماد، فحكى ونطق. الخلخال يقول شاكياً بأنه يكاد يغرق بسبب هذا الامتلاء هو يضيق بالساق والساق تضيق به وكأننا في تلافيف البيت وظلاله نسمعه يستغيث!!
والبيت يخلو من الضمائر وحروف النصب والجر، ويضج بسبب التنوين المتكرر في صدره بالموسيقى وحرف القاف المتكرر في عجزه بالكلمتين المتتابعتين: «غرقاً وضاقا» يهب البيت قيمة تعبيرية صارخة. للحرف وظيفة معنوية كما يقول ابن جني». وفي بحثه الشيّق عن الخاصة الصوتية للحروف ودلالاتها يقول:
كانت العرب تختار - القاف - للدلالة على الصلابة واليباس، وهو يتضمن
معنى الاصطدام او الانفصال. ويقترن دائمًا بحدوث صوت شديد» (69). فإذا عرفنا ان مادة الخلخال هي من المعدن الصلب اليابس، وله صوت وخشخشة احياناً، أدركنا ان تكرار - القاف - يفيد هذا المعنى تماماً، مما
67