النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني

النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني

الجزء ١ · صفحة ٧٢

الفجر. في صدر البيت معمار موسيقي داخلي. «والفجر منصدع». بهذه الجملة ايقاع ونغم يستولي على الوجدان. فيطرب السامع اولاً لصوت الصنوج في تلافيف كلمة «منصدع». وانصداع الفجر المفاجيء، وبما في الجملة من موسيقى قوية توقظ العاشق من غفلته عاشق يتناسى الزمن فيقرع الفجر ابوابه بشدّة. في تلك اللحظة الربانية يبدو ريق الحبيبة للشاعر لفرط عذوبته كماء المطر الزلال الذي يجري برفق وهدوء فوق حبات البرد. إنه لم يصفه بالبرودة مباشرة كما فعل «عمر». بل قالها «النبهاني» بصورة مكنية.

ولأن العرب كانت تشبه الاسنان بحبات البرد، فإنك لا تعرف هل مرّ ماء الغمام على برد حقيقي ام انه مرّ على اسنانها البيضاء!!!

صورة متحركة مهتزة بين طرفين متاقضين تماماً. الفجر المنصدع كقنبلة والرفق الذي يجري به الماء فوق حبات البرد. بين قوة الموسيقى في الصدر وليونتها ونعومتها وتلاشيها في كلمة «بَرد». ومفتاح العذوبة في المصراع الاخير كلمة الغمام» بما فيها من شاعرية وقدرة على الايحاء. وهل هناك

اجمل من غيوم الفجر حين يتخللها اول الضوء، حيث يتأخى الماء بالندى. ثم يخطو «النبهاني» خطوة لمنح المشهد مزيداً من الحيوية. فيتابع قائلاً بأن هذا الريق يشبه «القرقف» وهو اول العصير كما الفجر أول النهار. وللكلمة ايحاء موسيقي من «ميزور» آخر. فكأنك تسمع في الكلمة صوت فقاعات الخمر، فضلاً عن العلاقة المضمرة بين ريق» و «قرقف». حرف القاف يخلق تشابهاً محتملاً!! وبعد ان تهدأ الموسيقى مع كلمة «بَرَد» والتي تذكر بصوت «الفلوت» أو «الناي» تتصاعد مجدداً، وتصبح كلمة «سلاف» المفتاح النغمي في صدر البيت الثاني، خصوصاً انها تجيء بعد كلمة «قرقف الخشنة والتي توازي بالصوت كلمة «منصدع». وتهدأ الموسيقى

V.