النبهاني بين الاتباع والابتداع نزار العاني
الجزء ١ · صفحة ٩٧ان نفسية العاشق العذري المريضة مستعدة للتضحية والعطاء، ليس حبا في المتعة التي يستشعرها الانسان نتيجة فعل العطاء في سبيل المحبوب بل رغبة بالالم والشقاء اللذين يرافقان في كثير من الاحيان اعمال التضحية والعطاء، انهم لا يضحون في سبيل الخير الماثل في التضحية او الحاصل عنهما بل في سبيل الالم الذي يرافقها» (88)
وافكار الناقد يوسف اليوسف تصب في ذات المجرى السابق تقريباً، فهو لا يعتبر العفة دليلاً كافياً على الغزل العذري بل ان الوجع الكثيف قبل العفّة
هو المعيار الأول للعذرية. (89)
واذا كانت مفردات الوجع تتزاحم في نصوصه الشعرية، فإننا نميل الى الاعتقاد بأن ذلك من اثر «الاتِّباع» عليه!! والشيء المهم الذي يجعلنا نخرج «النبهاني» في غزله من خانة المرضى - او خانة اولئك الذين يعانون من انحراف في السلوك، تتجسد ذروته عند أبي نواس كما يشرح ذلك عباس محمود العقاد في كتابه القيم: «ابو نواس الحسن بن هانئ» (90) ـ هو ذلك الميل الطبيعي والفطري عند النبهاني» للفرح واستعادة الشعور بالغبطة
والسرور.
انه في لحظة اشتداد «الهجرو يميل الى تجسيد المرارة والقسوة في تجربته الشعرية الحيّة، ولكنه ابدا لا ينسى في لحظة «الوصال» ما تكتنزه البرهة الحاضرة من امكانات الفرح، ولا ينسى ذلك الفيض الرباني القادم من سراب الذاكرة، مسربلاً بالدّعة، ويمنحه بلا حدود كل مذاقات الرخاوة والاستمتاع والخدر اللذيذ.
الحزن لدى «النبهانيو اذن، ليس ميلاً «شيكو» باثياً» متأصلاً فيه انما هو جملة مشاعر يمليها عليه جدل الوصل والهجر» كما يسميه الناقد
السوري «ادونيس». (91)
95