مناهج الأصوليين في تعريف القياس
الجزء ١ · صفحة ٤١إلا أن الآمدي ذكر أن الخلاف الحاصل في مُثبت الحكم خلاف لفظي لا ينشأ عنه أثر، يقول في إحكامه: " واعلم أن الخلاف في هذه المسألة آيل إلى اختلاف في اللفظ؛ وذلك أن قول أصحابنا بأن الحكم ثابت بالعلة لا يريدون به أن العلة معرفة له بالنسبة إلينا ضرورة أنها مستنبطة منه، وأنها لا تعرف دون معرفته، وإنما يريدون به أنها الباعثة للشارع على إثبات الحكم في الأصل، وأنها التي لأجلها أثبت الشارع الحكم، وأصحاب أبي حنيفة غير منكرين لذلك، وحيث قالت الحنفية: إن العلة غير مثبتة للحكم، لم يريدوا بذلك أنها ليست باعثة، وإنما أرادوا بذلك أنها غير معرفة لحكم الأصل بالنسبة إلينا، وأصحابنا غير منكرين لذلك، فلا خلاف في المعنى، بل في اللفظ".
المطلب الثاني: ارتباط مفهوم القياس بأطوار تاريخية.
عند
ليس كل إطلاق للفظ القياس يراد به القياس الأصولي وخاصة عند الحديث عنه كمصدر تشريعي أئمة المذاهب، أو في بداية التدوين، لذلك يقول أحمد أمين عند تفسيره للقياس في مرحلة ظهوره في العصر العباسي الأول: "ويعنون بالرأي وبالقياس بهذا المعنى أن الفقيه من طول ممارسته للأحكام الشرعية تنطبع في نفسه وجهة الشريعة في النظر إلى الأشياء؛ وتمرن ملكاته على تعرف العلل والأسباب، فيستطيع إذا عرض عليه أمر لم يرد فيه نص أن يرى فيه رأيا قانونيا متأثرا بجو الشريعة التي ينتمي إليها، وبأصولها وقواعدها التي انطبعت فيه من طول مزاولتها، ومن أجل هذا ذموا الرأي الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد، والرأي الذي لا تسنده أصول الدين".
وللتمثيل على هذا القياس نورد ما جاء في نهاية المطلب للجويني: "وألحق الأصحاب بما ذكره أن من مات، ولم يخلّف ورثةً خاصة، وورثه المسلمون، وكان له دين على إنسان، فادعاه منصوب السلطان، فأنكره، ولا بينة، فيحلّفه، فلو نكل، فلا سبيل إلى الرد. وفي المسألة وجهان ذكرهما العراقيون: أحدهما أنه يُقضى عليه بالنكول، بخلاف قياس الباب؛ لأنا حيث لا نقضي بالنكول، نجد مردّاً بتحقيق اليمين، وهو يمين المدعي، فلا نبرم الحكم دون عرضها إذا أمكن ذلك والنكول حيث لا رد منتهى الخصومة، فلا يبعد أن يُنسب
الآمدي، الإحكام، ج?، ص???.
2 أمين، أحمد أمين (ت: 1954هـ)، ضحى الإسلام، دار الكتب العلمية، بيروت، ط?، ????م، ج?، ص???.
36