مناهج الأصوليين في تعريف القياس الهنائي، زكريا بن سليمان بن السبع

مناهج الأصوليين في تعريف القياس

الجزء ١ · صفحة ٤٣

بدأت مرحلة تدوين أصول الفقه عند الإمام الشافعي في رسالته، وقد تكلم عن القياس الأصولي والعلة

المنصوصة على ما نقلناه عنه في الفصل السابق، وقد كانت مذاهب التدوين والتأليف امتدادًا لمدرستي الحديث والرأي، إلا أن هذا الامتداد والاتصال أظهرُ في كتب الحنفية من غيرهم لاعتمادهم مسلكًا آخر في تدوين أصول الفقه ببناء مسائل الأصول وقواعده على الفروع الفقهية، أما المتكلمون فيميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لأنه غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم.

ولئن كان بناء القواعد الأصولية عند الحنفية مبنيا على فروع أبي حنيفة ومن وافقه، فإنهم سيجدون ميلًا شديدًا إلى استعمال القياس واعتباره مصدرًا من مصادر التشريع، ولم يدوّن أبو حنيفة كتابًا فقهيًا أو رسالة يذكر فيها القواعد والقوانين التي جرى عليها في العمل بالقياس، وإنما ترك الأمر لطلابه في التدوين، لذلك عمد أصوليو الحنفية منذ القرن الرابع إلى دراسة فقه أبي حنيفة في المقاييس ووضع القوانين والأركان القائمة عليها".

يظهر مما سبق أن القياس لم يكن عند الحنفية مسلك اضطرار لا يعمدون إليه إلا بعد بذل الوسع في الإحاطة بالنصوص، وإنما هو مسلك رئيس جُعل مصدرًا لما حصل وما توقع حصوله كذلك، يقول أبو زهرة: "مما تقدم يتبين بجلاء أن أبا حنيفة كان يعمم العلل في الأحكام التي يستنبطها، وبذلك يجمع الفروع في قواعد هي هذه العلل المستنبطة، وهذا ما تميز به فقهه في عصره، وما تميز به فقهاء الرأي على فقهاء الأثر

خاصة

في ذلك العصر

???

"هكذا إذن يمكن أن نقول مطمئنين إلى أن القياس اتخذ في الممارسات الأولى لمدرسة الرأي مفهوم الرأي باعتباره أداة من أدوات التفكر أو الاستنباط إلى جانب أدوات استدلالية أخرى تولدت عن حاجة معرفية في تقليب الرواية وإعادة النظر في منتجات أهل الحديث".

ابن خلدون، المقدمة، ص 420.

2 ينظر: أبو زهرة، محمد أبو زهرة، أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه- وفقهه، دار الفكر العربي، دم، دط، دت، ص367-386.

أبو زهرة، أبو حنيفة حياته وعصره آراؤه وفقهه، ص 384.

4

الجلاصي

، القياس، ص 195.

??