مناهج الأصوليين في تعريف القياس
الجزء ١ · صفحة ٥٠المبحث الثاني
أثر الاختلاف في تعريف القياس
سبق ذكر أنواع الاختلاف في أول الفصل المتقدم، وأن الاختلاف الذي ينشأ عنه أثر إنما هو اختلاف معنى، وفي هذا المبحث سنثبت أن الاختلاف في تعريف القياس اختلاف معنى لا اختلاف عبارة وذلك بذكر
ما نشأ عن هذا الاختلاف في التفريع الأصولي.
المطلب الأول: حجية القياس.
وأول ما نشأ عن هذا الاختلاف تفريعا موضوع حجية القياس، والمتأمل فيه لن يجده أثرا منبثقا عن المنهجين المذكورين؛ لأن كليهما اتفقا على حجية القياس، وإنما سبب ذكر الحجية هنا أنها مسألة متعلقة بمنهج من قال إن القياس عمل المجتهد المتمثل في التعدية والإثبات أو الإبانة والإظهار، ولا علاقة لها بمن يرى أن القياس بمعنى المساواة الحاصلة بين الأصل والفرع، فكان مما افترق فيه أصحاب المنهجين أن أحدهما وضع في طرف ضد فريق معارض، ولم يحتج الفريق الآخر إلى ذلك فكفي مؤونة الرد والاعتراض.
ويُؤخذ هذا من مجموع أد أدلة نفاة القياس المتوجهة بالاعتراض على القول بالرأي في دين الله وأنه من سبل الظن التي لا مأخذ لها في الشرع وتحكم محض بتعليق أحكام الله بعلل وأوصاف بعينها على ما سنبين إن شاء
الله.
بوصف
وليست جميع الأحكام الموضوعة لما سكت عنه شرعًا داخلة في باب القياس، لذلك كان بعضها مما عمل بها لدى عامة المسلمين ولم يعرف مخالف بينهم، ومن ذلك الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم، فقد قال الغزالي فيه: "لا نعرف خلافًا بين الأمة في جوازه، وهو أن يقع الاتفاق على أن حكمًا ما قد عُلّق معين بالنص أو الإجماع، فيُجتهد في بيان تحقق ذلك الوصف في المسكوت عنه، فلو علمنا مثلا أن تحريم الخمر لعلة الإسكار بالنص، فإننا نبحث في تحقق وصف الإسكار في النبيذ، فإن وجدناه مسكرًا ثبت حكم التحريم فيه قطعا".
الغزالي المستصفى، ص 437.
2 ينظر: الغزالي، المستصفى، ص 437. والثعالبي، محمد بن الحسن (ت: ????هـ)، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، تحقيق: أيمن
صالح، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1995م، ج?، ص???.
45