مناهج الأصوليين في تعريف القياس
الجزء ١ · صفحة ٥٣إليه ابن حزم أن سبب إنكاره القياس والتشنيع على مخالفه كان لاعتمادهم على القول في دين الله لمجرد الرأي وتعبدهم بالظن، يقول ابن حزم: ويقال لأهل القياس: هل ما أوجبتموه بالقياس والرأي فرضا أو ما حرمتموه: من الموجب لذلك الحكم؟ ومن المحرم له؟ فإن قالوا: الله ورسوله ظهر كذبهم … وإن قالوا: ما أوجب ذلك ولا حرمه إلا غير الله ورسوله، قيل لهم فهذا باطل لأنه شرع لم يأذن الله ولا رسوله به "، وهذا يُثبت أن مسألة الحجية إنما هي مرتبطة بمنهج من يرى القياس عمل المجتهد، وقد ساق ابن حزم أدلته في كتبه على نفي القياس مقترنة بما يفيد إنكاره جعل عمل المجتهد أصلا شرعيًا يعمل به في الحكم على النوازل، ويُستدل به على تحريم وتحليل ما لم يرد ذكره في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا في الإجماع".
ومما تمسك به أبو محمد كذلك اعتماده على الآيات القاضية بشمولية النصوص الشرعية للحوادث عامة، ولا حاجة بعدها للقول بالقياس، لذلك يقول في ختام رده في إبطال القياس: "فيصح بهذا وبالآيتين أن كل ما حرمه الله فقد فصله وبينه باسمه، وأن كل ما نهانا عنه رسوله فواجب تركه، وكل ما أمرنا الله ورسوله به فواجب علينا بحسب الاستطاعة، وما لم يأت نص بتحريمه ولا بإيجابه فهو معفو عنه، فاجتمع بهذا جميع أحكام الدين، فمن ادعى في شيء أنه حرام سألناه أن يوجدنا تفصيله في النص والإجماع، فإن أوجدنا وإلا فهو مباح بنص ما تلونا، ومن ادعى إيجاب شيء سألناه أن يوجدنا الأمر به، فإن أوجدنا لزمنا وإلا فهو مباح ساقط عنا، وتبين أن كل حكم في الدين فهو منصوص عليه"، وهذا بجملته أيضا يقف ضد القائلين بأن
القياس عمل المجتهد، ولا يعارض المنهج القاضي بأن القياس حجة إلهية تقضي المساواة بين شيئين. ولقد اختلفت أنظار الأصوليين في مسألة شمولية النصوص لأفعال المكلفين على ثلاثة مذاهب: منهم
من قال بأن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث، وغلا بعضهم حتى قال: ولا بعشر معشارها، فتوسعوا في القياس توسعا فاحشا أثبتوا به ما هو ثابت بالنص أصلا، وفريق ثان: وقف مقابل هؤلاء وادعى شمولية
ابن حزم، علي بن أحمد (ت: 465هـ)، ملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان والتقليد والتعليل، تحقيق: سعيد الأفغاني، مطبعة جامعة دمشق، سوريا، دط، 1960م، ص 39.
2 ينظر: كتب ابن حزم الإعراب عن الحيرة والالتباس الموجودتين في مذاهب أهل الرأي والقياس تحقيق محمد زين العابدين، من صفحة ???? إلى نهاية الجزء الثالث والباب الثامن والثلاثون من الإحكام، وأول 40 صفحة من ملخص إبطال القياس. والدرة فيما يجب اعتقاده، تحقيق: أحمد بن ناصر وسعيد بن عبد الله، مطبعة المدني، القاهرة، ط 1، 1988م، ص 416 - 425. والمحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار، المسألة رقم (100).
الطائي، أحمد عليوي، الأدلة غير المعتبرة عند جمهور الأصوليين، دار النفائس الأردن، ط1، 2011م، ص36.
ابن
ملخص إبطال القياس، ص 45-46.
حزم،
??