مناهج الأصوليين في تعريف القياس
الجزء ١ · صفحة ٥٤النصوص لكل أحكام الحوادث فأبطلوا القياس كله حتى الجلي منه وفرقة ثالثة توسطت بينهما فرأت أن النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يحلنا الله ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بين الأحكام كلها،
والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان الكتاب والميزان.
وقد تمسك منكرو القياس كذلك قبل ابن حزم بأن الشريعة جاءت بالجمع بين المتفرقات، والتفريق بين المجتمعات، كإيجاب الغسل من المني وهو طاهر، وعدم إيجابه بالبول وهو نجس، وهذا الدليل مما توسع
يجب
الأصوليين بالرد عليه، فمنهم من أنكره بحكم التناقض الذي آل إليه المستدلون به؛ لأن استدلالهم. هذا أن يُحمل على القياس العقلي كذلك وهم يقرون به، ومنهم من أنكر دليلهم لذاته وعارض مجيء الشريعة بالتسوية بين المختلفات، أو التفريق بين المجتمعات، وماكان في ظاهره اجتماع مفترقات عندهم إنما كان لأجل افتراقها في معنى يوجب عدم الجمع، وما كان ظاهره افتراق متساويات في نظرهم إنما كان لمعنى يوجب ذلك التساوي"، وهذا الدليل كما يظهر من رد الأصوليين عليه لا يبلغ في القوة مبلغ المسلكين السابقين في
الاستدلال.
ولعل ارتباط هذه المسألة بتعليل الأحكام أظهر من كونها دليلا قائما لنفي القياس، وما يوافق منطوق النصوص ومفهومها ومقاصد الشريعة ومُراد واضعها أن يقال: "وشريعته سبحانه منزهة أن تنهى عن شيء لمفسدة فيه ثم تبيح ما هو مشتمل على تلك المفسدة أو مثلها أو أزيد منها، فمن جوّز ذلك على الشريعة فما عرفها حق معرفتها، ولا قدرها حق قدرها"، وهذا يقضي قطعًا ألا يجمع الشارع بين مفترقين ولا أن يفرق
بين مجتمعين.
اللفظ
وإنكار ابن حزم للقياس على هذا المعنى لا يعني اختلافه مع المثبتين له في كل الأحكام التي ثبتت بالقياس عندهم بل على العكس فإن الاتفاق بينهم أكثر؛ وذلك لتوسع ابن حزم في الأخذ وظاهر النص ومن يرى كتابه المحلى يجد ذلك.
بعموم
ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت: 751هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، دط، ????م، ج?، ص???-???. (بتصرف)
الشيرازي، إبراهيم بن علي (ت: (476هـ، التبصرة في أصول الفقه، تحقيق: محمد حسن دار الفكر، دمشق، ط?، ????، ج?،
ص 432.
ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين، ج?، ص 195.
49