مناهج الأصوليين في تعريف القياس الهنائي، زكريا بن سليمان بن السبع

مناهج الأصوليين في تعريف القياس

الجزء ١ · صفحة ٥٧

الأركان الأربعة في القياس تفصيلا أخل بالبحث في مدار القياس الرئيس وهو العلة كما سنبين بعد ذلك، أما الذين قالوا بأن القياس عمل المجتهد ونتيجة فكره واستنباطه فإنهم ركزوا على مسائل العلة فعمقوا النظر في بحث مسائل مهمة في القياس لم يتطرق إليها الفريق الآخر، على أن أصحاب المنهج الأخير قد ينبهون عرضا على الأركان دون إطالة، أو ربما لا يذكرونها أصلا؛ لأنهم لا يرون للقياس ركنا سوى العلة.

فهذان مظهران من مظاهر العمق في الكتابة الأصولية، والتي وجدناها متفاوتة بين أصحاب المنهجين، أولاهما: الاهتمام بمسائل العلة والتعمّق فيها، وثانيهما: إغفال الأركان غير العلة أو ذكرها عرضا ضمن شروط

القياس.

وربما نسبة الحكم في القياس إلى الله تعالى ابتداءً، والتصريح بثبوت الحكم وُجد المجتهد أم لم يوجد. ما جعل أصحاب المنهج الأول يغرقون في الأصل والفرع وحكم الأصل، فساووا بين هذه الأركان

في البحث وعمقه.

العلة وبين

فلو جئنا إلى منهج القائلين بأن القياس عمل المجتهد، نجد الجصاص في كتابه الفصول في الأصول لم ير للقياس إلا ركنا، واحدا كما أنه فصل في مسائل كمواطن امتناع جريان القياس، وفيما يستدل به على صحة العلة، كما أنه فرّق في كتابه بين قياس الباب الذي سبق وأن ذكرناه وبين القياس الأصولي، وهو نادر الوجود في كتب الأصوليين.

وإلى هذا المنهج في الكتابة مال الباجي في إحكام الفصول، ثم إن بعض الأصوليين من أصحاب هذا المنهج قد يلجؤون إلى الحديث عن مسائل لا بد منها في العلة ولكنهم يرون أنها أعلق بالأصل أو الحكم من العلة، فمن الأول مسألة هل الأصل معلول أم لا؟ وهل المعلول متعبد أما لا؟ ومن الثاني مسألة ما يعقل معناه وما لا يُعقل من الأحكام، فهذه مسائل لا بد من بحثها قبل الحديث عن العلة ورأى بعضهم وضعها تحت الأصل والحكم وهو صنيع السمعاني في القواطع.

على أن بعض المسائل ظاهرة التعلق بالعلة إلا أن البعض بحثها تحت ركن آخر للقياس، وذلك كبحث مسائل التعليل بوصفين والتعليل بالعلة القاصرة وتخصيص العلة عند الحديث عن حكم الأصل وهو ما جرى

عليه أبو الخطاب الحنبلي في التمهيد.

52