التعايش المذهبي في سلطنة عمان: مقوماته ومظاهره الربيعي، إبراهيم بن خليفة بن راشد

التعايش المذهبي في سلطنة عمان

الجزء ١ · صفحة ٩٩

التعايش المذهبي في سلطنة عمان مقوماته ومظاهره

وسيرة الرسول محمد تحمل عدداً من الأمثلة على التعايش وضمان حق الآخر، ومن أبرز تلك الأمثلة (وثيقة المدينة والتي تعتبر أول دستور مدني في التاريخ والتي أسست للعيش المشترك بين مواطني دولة ناشئة يحملون كل أشكال الاختلاف وصنوف التعدد، وحملت قيمًا عظيمة في أصول العلاقة بين أطياف الدولة، ومن هذه القيم الإقرار بمبدأ التعددية بكل تجلياتها- والقبول بالآخر المختلف دينيًّا وعرقيا وثقافيًا، أي القبول بحق كل منهم في الوجود.

أقرّت الوثيقة أن "يهود بني عوف أمة مع المؤمنين"، وهذا ليس حقًا ليهود بني عوف وحدهم، ولكنه حق كذلك ليهود بني النجار، ويهود بني الحارث ويهود بني ساعدة، ويهود بني جشم، هو حق لبطانة اليهود

ويهود بني ثعلبة، ويهود بني فضلاً عن بطونهم ومواليهم.

الأوس، ويهود جفنة ويهود بني

الشطيبة، بل

ولقد حرصت الوثيقة على تأسيس هذا المبدأ المهم وتوضيحه لجميع المواطنين، وهو أن المسلمين واليهود في المدينة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم أمة واحدة: "وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم … ".

ولقد جاء تأكيد إقرار الإسلام بالتعددية الدينية في الوثيقة: "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، ومع ذلك هم أمة واحدة سياسيا ودستوريًّا وإن كان لكل دينه الذي يختص

أما المذاهب الإسلامية ومع كونها قائمة على (الاختلاف) مع بعضها في عدد من المسائل، إلا أنها تتفق على مشتركات وأسس تعتبر ضمانات مطمنة لحفظ وحدة الأمة وتماسك صفوفها، ولمعالجة مضاعفات حالة الاختلاف والتعدد، بحيث يكون الاختلاف في الرأي والموقف عاملاً إيجابياً يستثير العقول ويحرك القوى ويدفع نحو التنافس الشريف والوصول للرأي الأفضل، والموقف

(?) انظر: السيرة النبوية لابن هشام، أبو محمد عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري (ت: (213) هـ)، تحقيق: مصطفى السقا وآخرون، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي - القاهرة، ط ?: (1375) هـ / (1955) م، ج?، ص (503). وفقه التعايش في السيرة النبوية، حسين علي المصطفى، ص (49). وقيم التعايش المشترك ومبادئه في وثيقة المدينة، محمد الشرقاوي، مجلة حراء، العدد ((40)) (يناير - فبراير (2014) م. وحقوق الآخر في ضوء وثيقة المدينة المنورة (تأصيل إسلامي لمبدأ التعايش خالد عليوي جياد، ص (154) – (157).

[4]