تحقيق كتاب معالم الدين في الفلسفة وأصول الدين ص 106 إلى ص 148
الجزء ١ · صفحة ٦٨المقصد الرابع:
في الجن والشياطين، فإنَّها أيضاً من الجواهر الغائبة عن حواسنا وهي عند المليين، أجسام (تتشكل) '
بأي شكل شاءت، وتقدر على أن تُولج في بواطن الحيوانات وتنفذ في منافذها الضيقة نفوذ الهواء المستنشق، واختلفوا في اختلافهما (في) النوع، بعد الاتفاق على أنهما من أصناف المكلفين كالمَلَكِ والإنس ومنعه الفلاسفة لأنَّه إما أن تكون أجساماً لطيفةً أو لا، وكلاهما باطل.
وأما الأول: فلأنه يلزم أنْ لا تقدر على الأفعال الشاقة وتتلاشى بأذنى قوّة وسبب من خارج يصل
إليها وهو خلاف ما يعتقدونه.
وأما الثاني: فلأنَّه يُوجِبُ أنْ تُرى، ولو جَوَّزْنَا أجساماً كثيفةً لا نَراها لجواز أن تكون بحضرتنا جبال وبلاد لا نراها وبوقات وطبولٌ لا نسمعها وهو
سَفْسَطَةٌ.
والجواب: أنَّ لطفها بمعنى الشَّفافَةِ أيّ عَدَمِ اللّون فلا يلزم أحَدُ الأمرين لجواز أن يقوى الشفاف الذي لا لون له على الأفعال الشاقة، ولا ينفعل بسرعة ومع ذلك فلا نراها، وبالجملة (فإن) أردتم باللطافة فيختار أَنَّهَا لطيفة ولا يلزم عَدَمُ قوّتها على تلك الأفعال، وأنْ أردتم بها بسرعة الانفعال والانقسام
الشفافة
إلى أجزاء متصغرة ورقَةُ القوام، فيُخْتَار أنها غير لطيفة بهذا المعنى ولا يلزم رؤيتها كالسماء، كيف؟ وقد يفيض عليها القادرُ المختار مع لطافتها ورقتها قوةً عظيمةً، فإنَّ القوّة لا تتعلق بالقوام في الرقة والغلظ ولا بالجسميّة في الصغر والكبَر، ألا ترى أنَّ قوام الإنسان دون قوام الحديد والحجر، ونرى بعضهم يقتل الحديد
في النسخة "ج" كلمة (تشكل).
هذه
من
الأمور الغيبية والأمر الغيبي يحتاج إلى دليل قطعي أو متواتر وكذلك كلام العالم يحتاج إلى دليل مقبول، والله أعلم بالمعنى.
في النسخة "ب" و "ج" كلمة (بالنوع). السفسطة: (عند المنطقيين قياس مركب الوهميات، والغرض منه تغليظ الخصم وإسكاته كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجود في الذهن قائم بالذهن عرض، لينتج أن الجوهر عرض. انظر: الجرجاني، كتاب التعريفات، ص 134.
في
النسخة "ج" كلمة (فإذا).
62