أثر العفو عن الجنايات
الجزء ١ · صفحة ٥١ثانياً: أثر عفو المجني عليه بعد بلوغ الأمر إلى الإمام:
إذا بلغ الأمر ورفع إلى الإمام، فإنه لا أثر لعفو المجني عليه بعد ذلك، ويعتبر ذلك العفو وكأنه لم يكن بالرغم من أن المجني عليه صدر منه العفو، وهذا لأنه قد تحول الأمر من حق خاص للمجني عليه إلى حق عام، فلا يصح العفو بعد ذلك، ولا يجوز إسقاط حد القطع بالعفو عن السارق؛ لأن الحق بعد الرفع للإمام هو حق من حقوق الله سبحانه وتعالى، والقول بعدم صحة العفو في إسقاط الحد بعد بلوغ الأمر إلى الإمام هو قول عامة الفقهاء، فعن عائشة أم المؤمنين – رضي الله عنها – قالت: (أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله! ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.)، فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية أن حق الله تعالى هو الأساس والمقدم، ولا مجال للمراعاة فيه.
خلاصة القول إن العفو في حد السرقة له أثر إن كان قبل الرفع إلى الإمام وهو جائز، ولا أثر له بعد الرفع مطلقا؛ ذلك لأن العفو خاص بحقوق العباد، والسرقة بعد أن ترفع إلى الإمام، فإنها تثبت حق لله سبحانه وتعالى، ولا يحل لأحد إسقاطه. (2)
فنستخلص من هذا الفرع أن عفو المجني عليه في جريمة السرقة قبل بلوغ الأمر إلى الإمام له أثر بالغ في سقوط الحد، وعدم سقوطه عن السارق، فقد انعقد الإجماع على أن يجوز للمجني عليه أن يعفو عن السارق ويسقط عنه الحد قبل الرفع، ويجوز له أن يعفو عن السارق، ويطالب بالحد؛ وذلك لأن الحد قبل الرفع يكون من حق العبد، وهو حق خاص له، فما كان للعبد فيصح إسقاطه بالعفو كحق القصاص،
أخرجه مسلم، صحيح مسلم، رقم الحديث: (1688)، باب: قطع السارق الشريف، ج 5، ص (114).
انظر: ابن حجر فتح الباري بشرح البخاري، ج (12)، ص (95).
(42)