أثر العفو عن الجنايات: دراسة فقهية مقارنة بالقانون العماني الفارسي، عبد الجليل بن كامل بن يوسف

أثر العفو عن الجنايات

الجزء ١ · صفحة ٧٥

المطلب الثاني: أثر العفو في عقوبات التعزيرات المتعلقة بحقوق الله:

لقد اتفق الفقهاء على اعتبار مبدأ العفو في العقوبات التعزيرية، واتفقوا على أن الحقوق التي يثبت فيها حق الله سبحانه وتعالى لا يملك فيها العبد الحق في العفو؛ لأن عفوه غير مؤثر ولا يأخذ به، وهذا لثبوت الحق لله تعالى، إلا أنهم قد اختلفوا في نطاق العفو ومدى التوسع فيه، وتكمن ثمرة هذا الخلاف في هذا المطلب هل التعزير حق قائم للإمام أو واجب عليه؟

على

القول الأول: ذهب الشافعية إلى أن إذا كان التعزير لحق الله، فيجوز للإمام تركه لأنه ليس بواجب عليه، وإن شاء أقامه، ولا يجوز أن يتركه إذا كان هذا الحق متعلق بالعبد لأنه يتوقف بالمطالبة به، واستدلوا ذلك: عن عبد الله بن عمرو قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالا، فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال: أسمعت بلالا ينادي ثلاثا؟ قال: نعم. قال: وما منعك أن تجيء به فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك)، فيدل هذا الحديث عند أصحاب هذا القول على أن التعزير متروك بيد الإمام، فإن شاء أقامه، وإن شاء تركه.

القول الثاني: ذهب بعض الحنابلة إلى أن التعزير واجب مطلقا على الإمام، فلا يجوز العفو من ولي الأمر إذا ثبت هذا الله سبحانه وتعالى، ورد في الإنصاف: (وهو واجب هذا المذهب مطلقا، وعليه الأصحاب، ونص عليه في سب الصحابي. كحد، وكحق آدمي طلبه، وهو من مفردات المذهب)، ولكن تم الرد على هذا القول بورود أحاديث بينت وحثت على جواز العفو، فعن ابن مسعود قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك قال: فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، فقام

انظر: الشربيني، مغني المحتاج، ج (5)، ص (526).

:أخرجه أبي داود، سنن أبي داود رقم الحديث: ????، باب في عقوبة الغال، حكمه: صحيح الإسناد، ج?، ص??.

انظر: المرداوي، الإنصاف، ج??، ص (240).

(66)