أحكام الصلاة ومتعلقاتها في مراكب البحر
الجزء ١ · صفحة ٤٧المطلب الثاني: هيئة الصلاة قعودا.
اختلف أصحابنا الإباضية في الركوع والسجود فيمن صلّى قاعدا في مراكب البحر، فذهب بعض منهم: أنّ من صلى قاعدا فإنه يومئ للركوع والسجود؛ لأنّ صلاة القيام سجود، وصلاة القعود إيماء، وقال آخرون: بل يركع ويسجد ولا يومئ ما دام مستطيعا لذلك؛ لأنّه متيقن من استطاعته للركوع والسجود، فلا يرتفع عنه على شك، والحاصل أنّ القادر على الركوع والسجود ليس له أن يومئ، بل يجب عليه أداء الركنين كما أُمر، فمتى ما تمكن من أداء ركن من أركان الصلاة فإنّه يؤديه ولا يسقط عنه بسقوط ركن آخر،
6
وهذا القول هو ما اتفق عليه الحنفية جميعا، جاء في (بدائع الصنائع): " وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقُعُودِ بِرَّكُوعِ وَسُجُودٍ فَصَلَّى بِالْإِيمَاءِ لَا يُجْزِتُهُ بِالاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ، وكذلك جاء في (الفتاوى الهندية): "وَلَوْ صلى فيها بالإيماء وهو قَادِرٌ على الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُجزيه في قَوْلِهِمْ جميعا"، وجاء في (تحفة الفقهاء): " وإن كان قادرا على القعود بركوع وسجود فصلى بالإيماء لا يجوز بالاتفاق".
والملاحظ في مراكب البحر غالبا أنّ المصلي إذا عجز عن القيام عجز عن الركوع أيضا، وإذا قدر على القيام قدر على الركوع، فالصيادون في مراكبهم الصغيرة لا يستطيعون القيام والركوع؛ لأن القيام والركوع يعرضهم لدوران الرأس أو السقوط في البحر، لذلك يكتفون بالصلاة قعودا ويومئون للركوع، ويسجدون كما يسجد القادر، وقد ذكر أهل العلم هيئات كثيرة في صفة الصلاة قعودا فذكر بعض الفقهاء أنّ العاجز عن القيام يقعد كيف شاء، إلا أنني سأذكر هيئتين من هذه الهيئات:
الهيئة الأولى: يقعد كقعود التشهد قياسا على جلوس التشهد، فهو قعود العبادة وهو أولى، ويضع كفيه على فخذيه وإن شاء وضعهما على أرض المركب، فإذا أراد الركوع ولم يكن مستطيعا لأدائه كما أُمر فإنّه
- يُنظر: الكندي، بيان الشرع ج 14، ص ??? / الشقصي منهج الطالبين وبلاغ، الراغبين، ج?، ص 249./ أطفيش، شامل الأصل والفرع، ج ?، ص ??? / السالمي، المعارج، ج 4، ص327. 2 - الكاساني، بدائع الصنائع، ج?، ص???.
- نظام وجماعة من علماء الهند، الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، دار الفكر، بيروت، (1411هـ – ????م)، ج ?، ص 144.
- السمرقندي، علاء الدين (ت: 539هـ)، تحفة الفقهاء، دار الكتب العلمية، بيروت، (1405هـ - 1984م)، ص156. - يُنظر: الكاساني، بدائع الصنائع، ج ?، ص 106./ المقدسي، المغني، ج 2 ص 105.
45